قاعدة حميميم... الحصن الروسي الهشّ

قاعدة حميميم... الحصن الروسي الهشّ

05 يناير 2018
الصورة
الروس وضعوا 3 أنظمة حماية للقاعدة (بول غيبتو/فرانس برس)
+ الخط -

أثارت الهجمات المتكررة على قاعدة حميميم الروسية في مدينة اللاذقية السورية الساحلية تساؤلات حول مدى فاعلية إجراءات الحماية المشددة، التي تفرضها روسيا على قواعدها في سورية، مثلما ألقت بظلال من الشك حول حقيقة الخسائر التي تتكبدها القوات الروسية في سورية، والتي من المعتقد على نطاق واسع أن كثيرا منها يتم حجبه لتجنب إثارة النقمة داخل روسيا على أثمان التدخل العسكري في سورية.

وقد اضطرت وزارة الدفاع الروسية إلى الاعتراف بالهجوم الأخير على القاعدة، بعد أيام من وقوعه في 31 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وبعد أن نشرت خبر الهجوم صحيفة "كوميرسانت" الروسية، لكن مع نفي ما تضمنه خبر الصحيفة من خسائر جسيمة في الطائرات الروسية، والاعتراف فقط بمقتل اثنين من العسكريين الروس. وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشينكوف، إن "مزاعم صحيفة كوميرسانت بشأن تدمير 7 طائرات حربية روسية في قاعدة حميميم غير صحيحة". وأوضح أن مطار حميميم تعرض "بعد غروب الشمس في 31 ديسمبر/كانون الأول لقصف مفاجئ بقذائف هاون نفذته مجموعة تخريبية متنقلة من المسلحين، ما أدى إلى مقتل عسكريين اثنين. وتقوم أجهزة الأمن السورية بالبحث عن المتورطين في استهداف حميميم وتصفيتهم، وتتخذ إجراءات لتعزيز حماية القاعدة".

والواقع أن هذه الاستهدافات للقاعدة ليست الأولى. وقد أعلنت عدة فصائل، مثل "تحرير الشام" و"أحرار الشام" وغيرهما، في أوقات سابقة عن قصف القاعدة بصواريخ "غراد"، من دون أن تعترف روسيا غالباً بنتائج هذا القصف. وحول سبل تمكن فصائل المعارضة من الوصول إلى القاعدة برغم الإجراءات المشددة التي فرضتها روسيا وقوات النظام السوري لحمايتها ومنع استهدافها من جانب مقاتلي المعارضة، يقول الخبير العسكري، العميد أحمد رحال، إن القاعدة تقع شمال مدينة جبلة بنحو 6 كيلومترات وعلى بعد 17 كيلومتراً جنوب شرق اللاذقية، وهي تبعد عن المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في سهل الغاب نحو 36 كيلومتراً وعن مناطق سيطرة تلك الفصائل في ريف اللاذقية ما بين 42 و45 كيلومتراً، مع العلم بأن صواريخ "غراد"، التي تستخدمها فصائل المعارضة، عادة في استهداف القاعدة يبلغ مداها الأقصى 40 كيلومتراً.


وأوضح رحال، وهو ضابط منشق يتحدر من اللاذقية وأمضى فيها معظم خدمته العسكرية، أن الروس وضعوا ثلاثة أنظمة دفاع وحماية للقاعدة، جوية وبرية وضد ما يسمى مفارز التخريب، مشيراً إلى وجود فرقة روسية خاصة مخصصة لحماية قاعدتي حميميم وطرطوس. وأضاف رحال أن القاعدة مزودة بمنظومة "بانتسير" للتعامل مع الأهداف الجوية، وأجهزة رادار ومنظومة حرارية لمراقبة الأسلاك وكشف المتسللين، ومنظومة حساسات للمراقبة تحت الأرض وكشف الأنفاق، فضلاً عن شبكة الدفاع الجوي وشبكة الرادار وطيران الاستطلاع. كما يمنع دخول أي سوري، مدني أو عسكري، إلى القاعدة. ورأى أنه أمام هذه الإجراءات لا يمكن استهداف القاعدة من جانب فصائل المعارضة، إلا بصواريخ "غراد" التي يبلغ مداها 40 كيلومتراً، مشيراً إلى أنه في أوقات سابقة كانت المسافة التي تفصل تلك الفصائل عن مطار حميميم لا تتجاوز 18 كيلومتراً، لكن عندما وصل الروس تقدم النظام بمساعدتهم واحتل ربيعة وسلمى ومجمل المناطق القريبة من القاعدة بهدف إبعاد المعارضة إلى مسافة أكثر من 40 كيلومتراً، ولا تصلها صواريخ المعارضة. وأوضح أنه يمكن زيادة مدى صواريخ "غراد" قليلاً من خلال زيادة الحشوة الدافعة، لكن مقابل تقليل الحشوة المتفجرة في الصاروخ، الأمر الذي يضعف من فاعليته، وهو صاروخ لا يتمتع على أية حال بدقة إصابة عالية.

وأعرب الخبير العسكري عن اعتقاده بأن الهجمات الأخيرة على القاعدة كانت عبر صواريخ "غراد" أطلقت من سهل الغاب في ريف حماة، بعد أن جرى الاقتراب إلى أقل مسافة ممكنة من القاعدة. واستبعد رحال أن تكون هناك عملية تسلل لمجموعات مسلحة، على اعتبار أنه لا يوجد في محيط القاعدة حاضنة شعبية للمعارضة، مشيراً إلى عدم وجود أي منطقة "سنية" محيطة بها باستثناء جزء بسيط جداً من منطقة حميميم نفسها.
وظهر مدى الغضب الروسي من الخسارة التي لحقت بقاعدة حميميم من خلال تصريحات نارية شكلت مادة للسخرية من كثيرين، كقول "خبير" عسكري روسي يدعى أليكسي ليونكوف لموقع "روسيا اليوم"، إن الصواريخ التي أطلقت على قاعدة حميميم مع نهاية العام الماضي "اشترتها السعودية من بلغاريا أو أوكرانيا وسلمتها إلى مقاتلي المعارضة"، مع علمه بأن السعودية صارت سياسياً وبشكل علني، تتبنى الرؤية الروسية بشكل كامل وحرفي. كذلك تُرجم عدم استيعاب موسكو لما حصل بكلام المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، التي اعتبرت أن الهجوم "هو استفزاز يهدف إلى إفشال عملية التسوية السورية وإعاقة عقد مؤتمر الحوار الوطني السوري" في سوتشي.

وكان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد أمر الشهر الماضي ببدء سحب جزء من القوات الروسية من سورية، بعد وصوله إلى قاعدة حميميم، كأول مرة يحط فيها رئيس روسي أو سوفياتي على الأراضي السورية. لكنه أكد، في المقابل، أن بلاده ستحتفظ بحميميم والقاعدة البحرية في محافظة طرطوس، وستستخدمهما "بشكل دائم". وكانت روسيا قد عمدت بعد مرور سنة على تدخلها في سورية إلى البدء بتوسيع قاعدة حميميم التي تعتبر نقطة انطلاق لعملياتها العسكرية في سورية لمساندة قوات النظام في معاركها ضد المعارضة، بغرض تحويلها إلى قاعدة جوية عسكرية مجهزة بشكل متكامل. واستهدف التوسيع تمكين القاعدة من استقبال طائرات كبيرة، وإنشاء بنية تحتية من أجل إيواء العسكريين الروس فيها، وزيادة التدابير الأمنية. وينتشر نحو 4300 عسكري روسي في سورية، أغلبيتهم في قاعدة حميميم. ومن الأسلحة الروسية في القاعدة طائرات سوخوي 34 و24 و30 ومروحيات الهجوم وطائرات التجسس الإلكتروني، إلى جانب طائرات هجومية أخرى. كما تعتبر منظومة صواريخ "إس 400" من أكثر الأسلحة تطوراً التي حملتها روسيا إلى حميميم، وذلك بغرض حماية القاعدة أولاً، ثم ضمان السيطرة على الجو على طول المدى الذي تصل إليه الصواريخ. والواقع أن قاعدة حميميم التي تدير العمليات العسكرية الروسية في سورية، لا تقوم بأدوار عسكرية فقط، بل تتعدى ذلك إلى القيام بأدوار سياسية مختلفة، خصوصاً لجهة ما تسميه روسيا بالمصالحات بين بعض البلدات السورية والنظام، فضلاً عما تدعيه من تقديم خدمات ومساعدات للمناطق المنكوبة، بل إنها لا تتردد في لوم قوات النظام نفسها، كما حدث قبل أيام، عندما اتهمت تلك القوات بالتهاون في التصدي لمقاتلي المعارضة في الغوطة الشرقية.

المساهمون