في وداع داعش

في وداع داعش

13 مارس 2020
+ الخط -
يمكن القول إن "الدولة الإسلامية" في العراق والشام، تعرّضت لهزيمة ساحقة، بعد أن شكلت موجة عاتية، هدّدت عواصم عربية، وضربت مدنا وعواصم في العالم. 
التنظيم المتوحش الذي اتخذ من القتل والدمار عنوانا لمسيرته في العراق وسورية في العقد الماضي كان أحد روافع النظام الرسمي العربي، لتعزيز مقاربته تحت عنوان "الأمن أولا" في مواجهة موجات الربيع العربي التي كانت تؤسّس لانهيار النظام الرسمي العربي الذي عجز عن تحقيق ثنائية الديمقراطية والتنمية.
كان ربط التنظيم بـالإسلام السياسي أيضا عنوانا لربط البديل الموضوعي عن النظام المنهار تحت أقدام المحتجين في مختلف أقطار الوطن العربي، لما يمتلكه الإسلام السياسي من قاعدة جماهيرية عريضة، في الوقت الذي كان قادة هذا التنظيم يعانون من قصور واضح في التقاط اللحظة التي كانت تحتاج للشراكة الوطنية، وفهم أساليب الحكم والإدارة، بعيدا عن الشعارات الوجدانية المرفوعة.
على الرغم من كل ما قيل عن "داعش"، وعن توحشه وارتباطاته، إلا أن الإضاءة على الحاجة التاريخية لمثل هذا التنظيم والحتمية التاريخية التي كانت ستؤدي إلى تخلقه في البيئة العربية التي عانت نحو قرن من فشل النظم والأفكار القومية واليسارية والإسلامية في تحقيق النهضة المنشودة.
تشكل الصورة وخطبة الخليفة أبو بكر البغدادي في الموصل أكثر الصور دلالة عن ماهية التنظيم ومدى انعكاسه للرغبات الدفينة في الوجدان العربي. وقف البغدادي على منبر رسول الله، مستعيرا خطاب أول الخلفاء الراشدين، أبو بكر الصديق، في إشارة إلى أن التنظيم يسعى إلى العودة إلى النبع الصافي لمشروع الخلافة، متجاوزا نحو 1400 عام من المشاريع والدول والخلفاء المسلمين، والذين أمعنوا في هزيمة الأمة ومشروعها الأول في مكة والمدينة.
كما تشكل تلك الصورة انعكاسا للوجدان العربي الذي يحنّ لزمن الأمة صاحبة المشروع الخالص، القادر على فرض نفسه على العالم، في مواجهة حالة الاستلاب لكل ما هو غربي على صعيد 
الأفكار؛ اليسارية والقومية والحداثية، والتي تضع العرب والأمة في موقع المتلقي والملحق بتلك الأفكار المندرجة تحت عناوين صليبية إلحادية.
لعل انضمام أبناء عرب في العالم الغربي، أوروبا وأميركا، لهذا التنظيم من أبناء الجيلين، الثاني والثالث، يعكس أيضا شعور هؤلاء بالدونية والعزل في تلك المجتمعات التي كانت تسعى إلى شطب الهوية الحضارية والراسب التاريخي لصالح ثقافته وفهمه ووعيه للعالم.
لم يكتف التنظيم بتجاوز الأفكار الدخيلة، حسب فهمه لجسد الأمة ومشروعها، بل ذهب إلى إنجاز قطيعة تاريخية مع الصيغ الغربية المفروضة على المنطقة، وعلى التحديد تلك التي طاولت جسد الأمة عبر تمزيق جغرافيتها، والتي كانت على أنقاض انهيار الإمبراطورية العثمانية، ورمزيتها المتمثلة في الخلافة الإسلامية، والتي كانت استعادتها مشروعا واستعادة الجغرافيا هي حوامل التنظيم الأبرز.
لقد ساهم التنظيم في إغلاق الباب أمام فكرة الخلافة، والتي كانت جوهر الإسلام السياسي وعنوان تشكله، وساهم في كشف هشاشة الصيغ القُطرية والجغرافية المفروضة غربيا على بلادنا، ما بعد الحرب العالمية الأولى، وساهم في كشف هشاشة النظم العربية وعجزها، وساهم أيضا في دفع خيار التعلق الوجداني بماضي الأمة إلى مساحة الواقعية التاريخية، بعد أن كان عنوانا للهروب من التحدّي الجاثم إلى صدر الأمة المتمثل في مواكبة العالم والسير في ركبه.
مع فشل الأفكار ذات الطابع الغربي في الإجابة على الأسئلة المعلقة في منطقتنا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وعجز التجارب الماضوية عن النهوض بعبء الإجابة كذلك، ومع إعلان العالم الغربي عبر مؤتمر ميونخ للأمن أن العالم بات اليوم "أقل غربية"، انسجاما مع مسار أفول الغرب، ومع تنامي قوى دولية ذات مركزية جديدة خارج ذلك الإطار في الصين والهند، يمكن القول إن أفول نجم "داعش" يشكل، في حد ذاته، أفولا لقرن عربي بامتياز، كان رهينة لمسارات الغرب وأفكاره وماضوية متعلقة بالتاريخ بشكل مرضي، وهو ما يعني حتما أن العرب في طريقهم إلى دخول التاريخ، بعد أن كانوا على هامشه.
(كاتب أردني)