في واقعة ألان غريش

في واقعة ألان غريش

16 نوفمبر 2014
الصورة

ألان غريش: مقلق عدم تحمل نقاش في مقهى مصري

+ الخط -
هبطنا، أنا وكاتب مصري صديق، من حي الزمالك إلى وسط البلد في القاهرة، في تاكسي أجرة. المسافة قصيرةٌ، تطول قليلاً مع بعض الزحام، فكانت كافيةً ليدردش صديقي مع السائق، بتلقائيةٍ وكيفما اتفق، عن حسني مبارك، فيها "مسخرة" كثيرة على الرجل، المخلوع لاحقاً، لا لشيء إلا لأنه كان قد أعلن عن علاوةٍ ماليةٍ لموظفي الحكومة، وجدها صديقي والسائق مبعث هزء. ساعتها، غشاني حسدٌ غزير لإخوتنا المصريين، إذ في وسعهم أن "يشرشحوا" رئيس الجمهورية، باطمئنان، في سيارة أجرة، من دون أن يتوجس أحدٌ من الآخر. قلت ذلك لصديقي، لمّا وصلنا إلى ميدان طلعت حرب، وانصرف التاكسي إلى حال سبيله، فعقّب عليّ بلعن النظام و"الحرامية" فيه، وظلّ على هذا الأمر، في دردشتنا في مقهى جروبي، وبأريحيةٍ ضاعفت حسدي ذاك.
يجلس الصحافي والكاتب الفرنسي، ألان غريش، قبل أيام، في مقهىً في القاهرة، ويدردش مع صحافية وطالبة جامعية مصريتين، ثم تُباغتهم امرأة تجلس إلى طاولةٍ في جوارهم، بدسّ أنفها في حديثهم، وبصوتٍ غاضبٍ، تخاطبهم بأنهم يخلقون مشكلات للبلد. وكان يمكن اعتبار سلوكها فردياً بغيضاً، غير أن ما أقدمت عليه يبيح إحالته إلى ما هو مقلق، عندما استدعت الشرطة لاستنطاق الزائر الفرنسي وجليستيه، وهو ما جرى ساعتين، وقال غريش إنه أصر على الإفراج عن زميلتيه، لمّا أخلي سبيله. وأفاد بأن مساعد وزير الداخلية المصري لشؤون حقوق الإنسان اعتذر له، لاحقاً، عما جرى. وأصاب غريش في قوله إن ما حدث معه قد يحدُث في أي مكان، غير أن المقلق، فعلاً، عدم تحمل نقاش عادي في مقهى مصري.
الأمر مثير، ولا تزيّد في حسبانه دليلاً على وجاهة وصف كاتب سوداني نابه الانقلاب في مصر بأنه "بوليسي وليته كان عسكرياً"، ودليلاً على أن منسوب البوليسية في زمن حسني مبارك، لا سيما في عشريته الأخيرة، كان أقل وطأة مما تغالبه مصر، الآن، منذ إطاحة التمرين الديمقراطي الأول بعد ثورة 25 يناير. وعندما يطلب رئيس جامعة مصرية من الطلاب فيها أن يكونوا "شرفاء"، وعيوناً ساهرة من أجل الوطن، ويُبلغوا عمّا قد يصل إلى مسامعهم من زملاء لهم "مريبين"، يقولون ما لا يصبّ في "مصلحة الوطن"، وعندما تطلب السلطة، برئاسة عبد الفتاح السيسي، أن يكون المصريون مواطنين شرفاء في حماية بلدهم من مصريين غير شرفاء، عندما يحدث هذا وذاك، فإنه يسوّغ الزعم، هنا، أن مصر، في طورها الراهن، لم تعد بلد سماحة الألفة والوداعة التي نعرف. يُراد من بعض أهلها وناسها أن يكونوا جواسيس على بعض أهلها وناسها، بحجّة التصدي للإرهاب ولمن "يخربون البلد"، بحسب منطوق السيدة في المقهى القاهري، حيث كانت شابتان مصريتان تتحدثان عن بلدهما مع ضيفٍ زائر، شاءت المصادفة أن يكون فرنسياً. ولأنّ سوء الظن من حسن الفطن، لا افتراء في القول إن اعتذار وزارة الداخلية المصرية لألان غريش ما كان ليحدث، لو أنه لا يتمتع بمواطنيته الفرنسية التي تُحصّنه من فظاظةٍ معهودةٍ في ممارسات الشرطة المصرية.
لقائلٍ أن يقول إن الذي جرى مع ألان غريش في القاهرة قد لا يستحق الكلام الكثير، بالنظر إلى أن انتهاكات حقوق الإنسان والحريات العامة في مصر صارت مريعة في العهد الميمون لعبد الفتاح السيسي، وفيما الأوامر والقرارات والإجراءات التي تتوالى، هناك، قبل قانون التظاهر المعيب وبعده، شنيعة، وفيما استسهال القتل، لشديد الأسف، صار ظاهرةً تستنفر حزناً وفيراً على مصر التي نحب. لقائلٍ أن يرى هذا كله أولى بإنعام النظر من واقعة الزميل الفرنسي، القاهري المولد، ولكن، ما جرى أضاء مجدداً على بؤسٍ غير هيّن في مصر التي في خواطرنا وجوارحنا.