في نقد "نقد طفولتنا السياسية"

02 مارس 2020
الصورة
كتب الأكاديمي والمفكر السوري، برهان غليون، مقالاً، سماه "في نقد طفولتنا السياسية" في "العربي الجديد" (12 فبراير/ شباط 2020)، وردّ عليه الباحث، علي العبدالله، في تعقيب في الصحيفة ذاتها، في 21 من الشهر نفسه. يتناول محور النصين غياب مركز للقرار في المعارضة السورية ونقد مشكلاتها، وأسباب فشلها ودورها في هزيمة الثورة وسواه. وإذ ركز برهان على تلك المشكلات، كما انتقده العبدالله، وأنّه يكرّرها في مقالاته، ومن دون جديدٍ فيها، فإن العبدالله حاول نقل الحوار من الأسباب السياسيّة لفشل المعارضة إلى الأسباب الفكريّة، وتناول "هشاشة تكوينها السياسي والتنظيمي" المستند إلى "بنيتها الفكرية والسياسية"، وردَّ ذلك إلى ماركسيّةٍ مستترة/ حالة سلفية حديثة، وهذا بخصوص اليساريّة منها. وأمّا الناصريّة، فتتمحور حول "الديكتاتور" جمال عبد الناصر، وبهذا يكمن فشلها، وبالتالي، برأيه مشكلة المعارضة "الديمقراطية/ اليسارية" هنا، الأمر الذي منعها من جَسر الهوّة، بين رؤاها والوعي الشعبي، وبالتالي لم تمثل الثورة، وإنما صادرتها وتسلقت عليها. وبرأيه أن "للإسلام.. موقع مركزي ودور في تكوين شخصية السوري، وانطوائه على طاقة ثورية عظيمة، ودفع قوي
للتضحية في سبيل العقيدة والقيم الأخلاقية"، وأن هذه الفكرة لم تهتم بها المعارضة الديمقراطيّة، بينما أولتها الإسلاميّة والنظام دوراً كبيراً، وبالتالي سيطرا على الثورة، وسورية.
حاولت أن أفهم ماذا يريد برهان غليون من فكرة فشل المعارضة في "إيجاد مركز قرار يوجه خطانا". المعارضة السورية شكلت عدّة مراكز، وبدءاً من عام 2011 "المجلس الوطني، وهيئة التنسيق، والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والهيئة العليا للمفاوضات، ومؤسسات أخرى"، فهل كان يجب تشكيل مركز من كل هذه المؤسسات؟ أم كان يجب تشكيل مركز قرارٍ من المنظرين والمفكرين السوريين والفلسطينيين، يصيغون الاستراتيجيات والسياسات وبرامج العمل الأساسية؟ ثم لماذا يجب تشكيل مركز واحد؟ وأيضاً، هل مشكلة المعارضة في تعدّد المراكز؟ يوجّه غليون نقده لمؤسسات المعارضة، وإن لم يُسمِها، وحين يفعل، ينتقد "النخب السلفية" متجاهلاً نقد الإخوان المسلمين بالتحديد، وقد كان لهم دور مركزي في المؤسسات المذكورة هنا، ولاحقاً يتخطى الإخوان المسلمين والنخب السلفية، ويوجه نقده إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وكأنّ للأخير علاقة بالثورة من أصله!.. هناك ضرورة للنقد، وللنقاش وللحوار الذي يطالب به برهان، ولكن ما لا يجوز بأي حالٍ تجاهل القوى التي لعبت دوراً مركزياً في إفشال الثورة، وهي محدّدة، ولها سياسات واستراتيجيات ورؤى وعلاقات إقليمية متينة، وهي سبب ذلك الفشل.
ضرورة النقاش
ضرورة النقاش، برأي برهان غليون، بسبب كارثيةٍ الحالة السوريّة، وأن الخارج لن يفعل شيئاً للسوريين، وإن رغب بذلك فهذا يتطلب مركزاً سوريّاً جامعاً. فكرته هذه تتجاهل واقعاً أصبح معقّداً للغاية، ومعارضةً جُرّبت، تسع سنواتٍ ولم تتحسّس حتى لحظته كارثيّة الواقع المعقد هذا. وبالتالي، هناك واقع سوري مفكّك، وواقع المعارضة يشبهه، وهو ما يمنع التفكير والنقاش 
الجدّي بذلك المركز وضرورته. برهان هنا لا يقدر جيّداً التفكك والتشظي اللذين وصلت إليهما الحالة السوريّة، وفكرته أن النظام انتهى، أيضاً ليست عاملاً تحفيزياً للنقاش أو لضرورته. الحالة هذه، وتعقيداتها واستنقاعها تتطلب وقتاً إضافياً "واقعاً موضوعيّاً جديداً" لإعادة النظر، ولتشكيل قوى سياسية وفكرية جديدة. الأخيرات حتى لحظته لم تتشكل، والتجارب السياسية الجديدة ما زالت شلليّة ونخبويّة وهامشيّة بامتياز، ومنها فشِل في استقطاب عدّة أفرادٍ ليعلن عن نشاطاته. هنا، يُطرح سؤال: من سيمثل المعارضة والثورة إذاً؟ وهو سؤالٌ دقيقٌ للغاية، وهناك عدّة أجوبة، أسوأها ما يتمسك بالمعارضة الفاشلة حالياً، وأفضلها ربما، يقول بضرورة تفكيك مؤسسات المعارضة، وتسليم الأمر للأمم المتحدة، واعتبار سورية دولةً ونظاماً ومعارضة فاشلة، مع رفضٍ قطعيٍّ للوصايات الدولية، وضرورة أن تلعب مؤسسات الأمم المتحدة، هي بالذات، دوراً في إخراج سورية مما هي فيه من تفككٍ واحتلالاتٍ ومشكلاتٍ متعدّدة الأوجه.
ما أوضحته لا يعني رفض النقاش، ولا ضرورة تشكيل مركز جديد، ولكنني أريد التحديد الدقيق لتلك النشاطات والمؤسسات، ووفق الممكن في لحظتنا الراهنة، وأعتقد أن تنظيم وعقد ندواتٍ فكرية للحوار هو أفضل الممكنات وأدقها، وتُناقَش فيها كل المشكلات التي طرحتها هذه المقالات وسواها، وكل المفاصل الأساسية للوضع السوري ومنذ 2011. يرفض برهان 
غليون أن "يستسلم"، للواقع، وهذا شكل من أشكال "الطفولة السياسية"، حيث ليس هناك من واقعٍ متماسك من أصله. وأمّا العبدالله، فيعلن موقفاً يائساً، فيكتب في نهاية مقاله "ثمّة واقع جديد يحتاج إلى مواجهة ومعالجة، نجاح النظام في دفع أغلبية الشعب السوري إلى الانغماس في همومه الخاصة والتفكير في ظروفه المباشرة، ما جعل ويجعل محاولات الثورة والتغيير حرثاً في بحر".
حاول العبدالله، وقد انتقد تكرار غليون التطرق لمشكلات المعارضة، وبعكس غليون الذي ظلَّ حديثه عن المعارضة السورية بكليتها، التمييز بين المعارضتين، الديمقراطية والإسلامية، ووجه نقده للديمقراطيّة بصورة أساسيّة، وأنّها تعاني من: مشكلاتٍ فكريّة من ناحية، وتنظيميّة من ناحية أخرى، وهذا أبعدها عن عقلية الشعب ووعيه الديني، ولم تستطع إخراجه منها. ويتفق العبدالله مع غليون في أن لمشكلاتنا الحالية جذراً قديماً، وإن كان كل منهما يفسّر ذلك بطريقة مختلفة، حيث أساس مشكلاتنا ينطلق من "نهاية الحقبة العثمانية" لدى غليون، ولدى العبدالله "ما زال مجتمعنا، في العمق - لاحظ العمق التاريخي الذي لا يطرأ عليه أي تغييرٍ! - يراوح عند مرحلة الانتقال من النظام السلطاني بتجسده الأخير في السلطنة العثمانية، وإلى نظام الدولة – الأمة". لا يوضح العبدالله فكرته هذه، فماذا يعني أننا ما زلنا في تلك المرحلة، وأين الخطأ في إظهار مشكلة غياب "الدولة الأمة" مشكلةً حقيقيّة لدى العرب؟ أليست هذه هي القضية، وغياب تحققها الواقعي، والتحكم الأوروبي في تشكيل مجتمعاتنا، وقبله العثماني شكّلَ الأرضية للاحتلالات وللاستبداد لاحقاً، وطبعاً للقضية جوانب أخرى، ولكنها ليست موضوع نقاشنا الآن. والسؤال: هل شكلت الدولة القُطرية بديلاً عن الدولة الأمة، أو الدولة الإسلامية حتى "السودان مثلاً". في كل الأحوال، تظلُّ قضية تحقق الأمة الدولة مركزيةً للنهوض العربي، وأن الخيار الديمقراطي فقط هو الطريق الوحيد للوصول إليها.
الوعي أم السياسة؟
يركز علي العبدالله على شكل الوعي السوري، ويراه "في العمق" شكلاً دينياً، وأن الدين ما 
زال "المحرّك الطبيعي للسياسة" في مواجهة "الحكومات الاستبدادية العلمانية". لن أجادل بأن ذلك ليس صحيحاً من أصله؛ فهناك بيئاتٌ اجتماعيةٌ وعيها ديني. ولكن، وعكس ذلك، الثورات العربية، وإن كان الوعي الديني منطلقاً لبعض قطاعاتها المجتمعية، فهو لم يكن سبباً في حدوث الثورة، بل أوضحت الثورات، في موجاتها الثانية، طبيعة الموجة الأولى، وهي ضد الأسلمة بالكامل، وضد حكوماتٍ كانت تدّعي الأسلمة "العراق، السودان، لبنان، ولديك إيران". علينا التمييز بين شكل الوعي، وهو بصورته الكبيرة، ما زال دينياً، ولا شك، ويرتبط سبب هذه الصورة بأيديولوجيات الأنظمة، وليس بالدين ذاته، وبين أن يكون دافعاً للثورات الجديدة. الأخيرات حدثت بسبب قضايا مجتمعية ومطلبية وسياسية بالدرجة الأولى، وتسعى نحو نظامٍ ديمقراطيٍّ في الدول العربية كافة، وحتى الدول التي برز فيها الإخوان المسلمون قوة وازنة لم تستطع التفرد بالنظام السياسي، وظلّت القضية المحورية هي كيفية الوصول إلى الديمقراطية، وكيف نجد سياساتٍ اقتصاديةً لتجاوز الأزمات، بل مشكلة الإخوان هي بالضبط هنا، كيف يوفقون بين ميلهم الطائفي والديمقراطية وتأمين فرص عمل لملايين العاطلين، وهذا محال، حيث تستند الديمقراطية إلى المواطنة، بينما تستند الطائفية إلى الدين. وبخصوص الاقتصاد، ليس لديهم إلّا الاستدانة من البنوك الدولية أو الدول الخليجية! المقصد من هذا الجدال ضرورة التمييز بين الوعي الشعبي والطائفية السياسية، وبين الثورات وشكل وعيها الخاص. أيضاً، ليس صحيحاً أن الوعي المدني (دولة مدنية) يخص جماعاتٍ صغيرة، كما يقول العبدالله، بل هي مطالب عامة، ولا يغيّر من ذلك وجود جماعاتٍ تطالب بدولةٍ دينية، أو لا تتبنى الدولة العلمانية الديمقراطية بشكل دقيق، ولكنها ليست الأساس.
أتفق مع العبدالله على أن شكل الوعي لم يتغيّر كثيراً، ولكن هذا لا يتعلق بالماضي، ولا بالدين، ولا بأن الدين ما زال يشكل مخيال المسلمين، منذ وجد الإسلام. ويتعلق الأمر بالقوى التي تخوض الصراع السياسي والاجتماعي، وقبل الثورة بالنظام وبعده بالنظام والمعارضة وبالفاعلين الثقافيين بكل تنويعاتهم. لا يمكن إعطاء أهمية كبيرة للوعي التقليدي، وأنّه ما زال يتمحور حول هذا الصحابي أو ذاك، أو حول هذا الزعيم الديني أو ذاك، ولو كان فعلاً يتمحور حولهم، فإن ذلك لا يتعلق بهم. لا، فهذه الاستعادة تتعلق بالفاعلين في الحاضر، أنظمة وقوى إسلامية وتيارات فكرية، وهي تستثمر في التديّن والتطييف. يرفض العبدالله حكاية المعارضة المستهلكة وحجتها أن الفشل سببه النظام وحده، وهذا صحيح، ولكن ما هو غير دقيق ردّ 
الفشل، ولنقل مشكلات الثورة وتعقيدات مآلاتها ومآلات سورية إلى عدم تبصّر المعارضة الديمقراطية لروح الشعب (الإسلام)، وأن مشكلة المعارضة تكمن هنا! وقد أوضحت أن ثورات الموجة الثانية كانت بالضد من الإسلاميين، ولم يكن لديها مشكلة مع الإسلام، وأن أهدافها تمحورت حول الديمقراطية والمدنية والعلمانية، والخروج من الأزمة الاقتصادية، وتأمين فرص عمل وهكذا.
يتناول النقاش أعلاه تارّةً مشكلات القوى السياسية، كما في حالة برهان غليون، وتارّةً المشكلات الفكرية وأشكال الوعي، كما فعلَ علي العبدالله، ولهذا تباعدا في النقاش. وعلى الرغم من ذلك، يعود العبدالله ليتفق مع غليون على ضرورة الديمقراطية وتشكيل قوى ديمقراطية منظّمة، ولكن اختلاف الرؤية للسياسة بينهما يدفع إلى التساؤل: هل "الديمقراطية" المنشودة، و"القوى الديمقراطية" المرغوب تشكيلها هي ذاتها عند الإسلاميين وسواهم؟ وهذا يفتح نقاشاً بشأن هذه القضية، وهي إشكاليّة في كل الأنظمة التي تشكلت بعد الثورات، حيث هناك خلافات كبيرة بشأن شكل النظام الديمقراطي وبنود الدستور، وعلاقة الشريعة بها، وكيفية تطبيق علمانية الدولة، وحياديتها إزاء الأديان والطوائف، وكيفية شرعنة الأحزاب الدينية.
يؤكد العبدالله، في رّده على غليون، حق الإسلاميين في الاختلاف بالمنظور السياسي، وهذا ما لا يرفضه غليون، وإن انتقد السلفية بصورة خاصة. وبالتالي، لماذا يدافع العبدالله عن قضية خاطئة، وقد انتقد الإسلاميين، ورؤيتهم الطائفية والفئوية في الثورة السورية في مقالاتٍ كثيرة؟ هل يتعلق الأمر برفض كلِّ نقدٍ من خارج الإسلاميين لهم، والدفاع عنهم، وقد أصبح نقدهم يتكرّر كثيراً؟ يخطئ العبدالله بهذا، فهناك ما يشبه الإجماع بين السوريين على حقهم في المشاركة السياسية بكل فعاليات الحياة السياسية. أمّا النقد، فيتمحور جلّه حول طائفيتهم واحتكارهم للثورة ودورهم الكارثي في تفشيلها وإلحاقها بالخارج، وفي هذا أخطأت المعارضة الليبرالية كذلك، والتي يسميها العبدالله خطأ يساريّة.
عن طفولتنا السياسية
يحصر عنوان مقال برهان غليون، "طفولتنا السياسية"، أخطاء المعارضة السورية بالخيارات 
الفكرية والسياسية. ولهذا رفض التركيز على إظهار الفساد والخلافات بين كتل المعارضة وأفرادها "الحرب انتقلت إلى داخلنا". تناول نصه أكثر من مرة تبعية الكتل وأفراد كثيرين للدول، ولكنه لا يدقّق في خطورة ذلك، أي في المصالح التي أصبحت لتلك القوى وللأفراد في المعارضة، وهم بذلك يشبهون النظام بتبعيته لإيران أو لروسيا. المقصد هنا أن مصالح كتل من المعارضة هي التي تدفعها إلى التمسّك بمؤسساتها وأن تظل موجودة، على الرغم من كل التعقيد الذي تطرقت عليه. إذاً، هناك مشكلات تتعلق بالخيارات الفكرية والمصالح الاقتصادية والتبعية لتلك الكتل.
فكرة النقاش أعلاه هي الأساس، بغض النظر عن الأولويات فيها "المركز، أو سبل تحقيق هذا الهدف النبيل"، ولكن أيضاً هناك ضرورة لتشكيل ذلك المركز "الفكري"، والبدء بنقاشٍ موضوعيٍّ وعميقٍ عن الوضع السوري برمته، وألّا يكون المركز والنقاشات لغاياتٍ ضيّقة ومحدودة، كأن يكون هدفها تشكيل قوّة سياسيّة جديدة، أو منصة سياسية، أو دور ما في تسوية سياسية قادمة، وسواه، كما جرى ويجري. الأهم كذلك الإقلاع عن الأكاذيب، وتأجيل ذلك بحجة استفادة النظام منها أو عدم سقوطه.
تكمن ضرورة النقاش في الوضع الكارثي الذي أصبحت سورية عليه، فهناك عدّة احتلالات، ودمار لأكثرية المدن، وتهجيرٍ لملايين السوريين، وبروز هوياتٍ سوريّة متعدّدة ومتقاتلة على أسسٍ قومية وطائفية وعشائرية ومناطقية. وهناك انهيار اقتصادي كبير. الأسوأ في ذلك كله الهيمنة المطلقة للخارج، خصوصاً روسيا وإيران وتركيا، على الوضع السوري برمته، نظاماً ومعارضةً. هذا هو الواقع الجديد، وهو يتجاوز ما تطرق إليه غليون، وما حاول العبدالله التركيز عليه.
تعليق: