في نقاش "إعادة قراءة الربيع العربي"

04 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
يثير عنوان المقال "إعادة قراءة الربيع العربي" المنشور في صحيفة العربي الجديد (2/11/2019) الانتباه؛ فأولاً، كاتبه محمد أبو رمان باحث مهم، وثانياً، العنوان يحدّد موضوعاً دقيقاً، وفيه اجتهادات كثيرة، وثالثاً، أن ذلك الربيع جدّد نفسه، وبقوّةٍ كبيرة، في كل من الجزائر والسودان، وأخيرا لبنان والعراق، ورافق تجدّدَه إعلان واضح أنّه ضد الفساد وانهيار الخدمات والنهب، وبصدد إسقاط النظام الطائفي، ولم يعد الأمر كما كان في الموجة الأولى من الثورات في 2011، ضد أنظمة استبدادية ناهبة، ومن دون إعلان دقيق حينها أنها كانت ثورات مفقرين ومهمّشين بجانبها الأساسي، ومن أجل حياة أفضل وإحداث تغيير كبير في توجه الاقتصاد وفي التسليم نهائياً بالديمقراطية نظاما للحكم، وضمن ذلك تبنى الدولة الحديثة المواطنية. الموجة الجديدة واضحة في توجهاتها؛ وأبو رمان الذي كان وزيراً في الحكومة الأردنية حتى أسابيع قليلة، أي شهد بأم العين أين المشكلات العميقة، بدلاً من أن يتجه مقاله نحوها بالضبط، ذهب نحو قضية أخرى، وهي مهمة: كيف ننتقل من المرحلة السابقة للديمقراطية ونصل إلى الأخيرة، ومن دون الحروب الأهلية أو الانهيار المجتمعي أو العودة إلى الاستبداد. قلت إنها قضية مهمة، ولكن التأمل الهادئ في تجربة تونس، وتجربتي الأردن والمغرب، وتجارب أخرى اعتمدت أشكالاً من التحول الديمقراطي، يفترض أن تدفع باحثنا إلى التطرق للربيع العربي بصورة مغايرة. سأل الكاتب سؤالاً دقيقاً، ولكنه تجاهله في كل مقاله المهم، لماذا حدثت الاحتجاجات؟ إجابته عن الديمقراطية تعني أن الاحتجاجات حدثت من أجل تحقيق الديمقراطية، ومقاله بأكمله ينبني حول هذه الفكرة.
أختلف مع أبو رمان الذي يحث مقاله على الاجتهاد في البحث، سيما أن الربيع العربي هذا بدأ 
قبل أكثر من تسع سنوات كما يقول، فهو لم يُتعب نفسه في البحث. ونسأل: ألا يُكتب يومياً، ومن دون توقف عن ضرورة الديمقراطية كأفضل أشكال الحكم، وتسمح بالانتقال من النظام القديم وتؤسس للجديد وتجنب بلادنا الويلات، وبذلك نصبح جزءاً من التحول العالمي نحو الديمقراطية. السؤال: لماذا لم يتحقق ذلك؟
وبالعودة إلى سؤال أبو رمان نفسه: لماذا حدثت الاحتجاجات؟ أضيف: ما هو الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأمني والتعليمي الذي حدثت فيه؟ ولكي لا نساوي بين العناصر السابقة المؤثرة في حياة البشر، أحدّد: أي واقع اقتصادي حدثت فيه الثورات؟ أجده السؤال الأساسي الذي يجب أن تتجه نحوه الأبحاث. ولم أقل أي واقع سياسي "نظام حكم"، حيث الأخير قديم، وسابق؛ فالديكتاتورية في تونس ومصر وسورية وليبيا قديمة، وهناك تمايز في أشكالها، فبينما تأزّم الوضع الاقتصادي هو المستجد، وكذلك النهب وملايين المهمّشين، وهذا لا يعني تغييب تأثير بقية العناصر وتمايز وجودها. ومن هنا أتفق مع أبو رمان في أنه تجب "دراسة الأوضاع القائمة في كل دولة ومجتمع وتحليلها". وكي لا ندخل في الجزئيات، ونشوّش على أدوات البحث التي سندرس بها تلك الأوضاع، علينا التدقيق، في السياسات العامة لهذه الدول، فما هي سياساتها الاقتصادية حينها، وما هي الحالة الاجتماعية التي كانت تعيشها الأغلبية المجتمعية، وإن حالة أكثرية المجتمع المفقرة هي بسببها. ومن هنا، علينا قراءة موجات الربيع العربي الأولى والثانية، وليس وفق مقاييس مُسبقة أو تجارب الانتقال الديمقراطي، وضمن ذلك، يتم تحديد "قواعد إرشادية للتعامل مع أدق مرحلة وأخطرها.. أي المسافة الانتقالية من الأنظمة القديمة.. وإلى استقرار النظام الديمقراطي"، فما هي القواعد الإرشادية في هذه المرحلة الانتقالية؟ وما هي الـ"وصفات الفكرية – والسياسية، التي تجنب المجتمعات الانزلاق في مسارات خطيرة"، سيما أن النظام القديم "في طور الاحتضار".
السياسات التي أسست للثورات هي السياسات الليبرالية الجديدة، وهي وصفات البنك الدولي، والمعتمدة دولياً، وقد اتُبعت في كل الدول العربية، وبغض النظر عن كيفية تطبيق ذلك، وفي أي عقود طُبقت. السياسات تلك نُفِّذَت في ظل أنظمة شمولية أو ديمقراطية هامشية أو طائفية توافقية، ولنقل في كل الدول العربية، وكانت نتيجتها إفقار الكتلة البشرية الأكبر، وربما نستثني بعض دول الخليج، حيث استطاعت النجاة من تدهور الأوضاع بسبب ضخامة الكتلة المالية لديها وقلة عدد السكان. كان هذا الوضع هو السائد قبل 2011، وهو وضعٌ عالميٌّ بامتياز، حيث تشير الدّراسات إلى أزمة اقتصادية بدأت منذ 2008 ولم تنتهِ بشكل كامل حتى لحظته، على الرغم من انخفاض قوّتها. وبالتالي هذه أوّل قضية تتطلب نقاشاً دقيقاً، وإيجاد وصفة فكرية تنقذ ملايين العرب من تلك السياسات. تجربتا تونس ومصر، على الرغم من اختلافهما، تقولان إنه لم يتم الاهتداء إلى سياسات تنموية وطنية، وما زالت الحكومات "الديمقراطية والاستبدادية" تستند في رؤيتها إلى وصفات البنك الدولي والاستدانة؟ وفي حال مصر إلى "الشحادة". وثاني القضايا الخطيرة هي أشكال الوعي السائدة لدى أغلبية العرب، والتي تتنوّع وفقاً لخصوصيات كل دولة على حدة، والتي هي بتأثير أيديولوجيات الأنظمة، وسياساتها العامة، وتستهدف منها تفكيك الوعي الوطني وعدم تشكّله، وتشويه مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان والوعي الحداثي والعلمانية وتسييس الهويات الدينية والإقليمية والإثنية، وبقصديةٍ واحدة، هي منع تشكّل هوية وطنية جامعة. وهنا وعلى الرغم من وعينا قضية الوعي المتأخر، ولكنه الوعي بصوره الغالبة، والذي تشكله 
الأنظمة وأيديولوجياتها والتعليم والثقافة ومؤسسات الدين وسواه، أي كل ما تسيطر عليه وتصدرِه إلى المجتمع، وتؤطِّر وعيه في سياقات محددة. أي أن الوعي العام، تشكله الأنظمة أولاً. وثالثة القضايا مسألة الديمقراطية وضرورة الإقرار النهائي بأنها المدخل الوحيد للانتقال بالمجتمعات العربية نحو مجتمعات حداثية، وفي ذلك لا يمكن التسويف تجاه ضرورة تحييد الأديان والمذاهب عن الدساتير والقوانين العامة التي تنظم شؤون الدولة.
المقصد من التحديد أعلاه الخروج من المدخل الديمقراطي باعتباره حلا أسطوريا لكل المشكلات، حيث لم تستطع التجارب الديمقراطية العربية وسواها أن تكون الحل. وبالتالي يتطلب التمسّك بالديمقراطية قواعد إرشادية أخرى، تتعلق بالسياسات الاقتصادية التنموية، والاعتراف بالمشاركة الشعبية وبدورها في تأسيس مؤسسات الدولة، وبإبعاد كل شكلٍ لتسييس الدين أو الهويات ما قبل الوطنية. وفي هذا لا يمكن أن تنبني الوطنية خارج سياق الرابطة القومية العربية، وفي كل دولةٍ على حدة.
يتجدّد الربيع العربي، ويتطلب العالم بأكمله رؤية جديدة لمشكلاته. وهذا لم يعد ممكناً في إطار ديمقراطياتٍ عريقة، كحالة أوروبا، فكيف ببلادنا المتعثرة في كل شيء.