في مِنح العرض المعرفي الإلكتروني وبركاته

02 يونيو 2020
+ الخط -
تتيح لنا محركات البحث على الشبكة العنكبوتية إمكانية الوصول إلى عدد لا يحصى من الكتب والمؤلفات؛ متجاوزة في خدمتها تلك ما تقدمه الكثير من المكتبات العالمية، هذا إن لم تتفوق عليها جميعها. ويضم العرض المعرفي للمواقع والصفحات الإلكترونية كتبا كنا قد قرأنا بعضها أو راجعناها، وأخرى كثيرة غابت عنا ولم نكد نسمع عنها خبرا قبل فتوحات عصر الذكاء الرقمي ومنجزاته.

والحقيقة أننا ممتنون لمن يسعى في توفير تلك النصوص وعرضها للقراءة والتحميل. على أن امتنانا - نحن العرب - يأتي مضاعفا، في ظل واقعنا الثقافي والمعرفي الموسوم بمحدودية ما يطبع وينشر من الكتب، هذا مع ضعف القدرة الشرائية للمواطن العربي، والذي ظل لسنوات يحصر اهتمامه في رغيف الخبز يسعى في سبيله ليلا ونهارا، بعيدا عما يمكن عده ترف اقتناء الكتب والمؤلفات.


ولعل من بركات هذا العرض الإلكتروني السخي أن مُنِح الباحث المهتم والأكاديمي المتخصص فرصة إغناء معلوماته في مجال تخصصه وتعميقها، كما سهل عليه عملية مراجعة ما يحتاجه من نصوص في توثيق أبحاثه ودراساته من بيته وبأقل مجهود. أما القارئ العادي فقد مُنِح هو الآخر فرصة ذهبية للاطلاع والتحصيل اللامحدود، مع ما يعنيه ذلك من إمكانات لتطوير قدراته الذاتية وتنميتها. لنغدو أمام تحققات كثيرة لمعنى العصامية التي كان صاحبها يشقى كثيرا في الزمان الماضي في ظل شح المعلومة وقلة تداولها بين الناس.

ولئن كان للكتاب الإلكتروني كل هذه الإيجابيات، فإننا في المقابل لن نعدم له سلبيات. وفيها نتوقف بداية مع الصعوبة التي تصاحب قراءته، إذ تجد الفرد منا يجهد النفس فيها أيما إجهاد سعيا لإتمامها وتحقيق الإفادة من محتوى الكتاب. وهو أمر نرجعه لطبيعة القراءة على شاشات الأجهزة الإلكترونية المختلفة ومؤثرات الجانب التقني فيها. كما قد يكون متعلقا برداءة ما يعرض من صفحات تلك الكتب نتيجة سوء عملية المسح والتصوير المنجزة، أو سوء حالها في نسخها الورقية نتيجة عامل الزمن والسنين، متأثرة في ذلك برطوبة المكتبات وفعل الأرضة أحيانا أخرى.

ويشتكي قراء هذه النصوص كذلك من تراجع منسوب التركيز لديهم أثناء مباشرتهم لفعل القراءة، معلنين عجزهم عن الاستغراق فيها لمدة طويلة، مقارنة بما يكون عليه حالهم مع الكتاب الورقي. فأمام وفرة العرض وسخائه، ترى القارئ لا يكاد ينهي قراءة كتاب أبدا؛ يكتفي بفصل أو فصلين منه، ثم ينصرف عنه لكتاب ثانٍ، فآخر ثالث وهكذا.

وبالرغم من هذه المؤاخذات المسجلة على الكتاب الإلكتروني، فإن الكفة تبقى راجحة للجانب الإيجابي فيه، بل وأجزم بحظوتنا في هذا الزمان بما هو متاح لنا من مصادر ومراجع لم يكن أسلافنا يحلمون بالوصول إليها يوما من دون جهد بدني ومعنوي لربما استنفد منهم جميع سنوات عيشهم. لكن وبقدر حظوتنا هذه تكبر مسؤوليتنا وتتضاعف تجاه أنفسنا ومجتمعاتنا، لتسقط جميع أعذارنا في طلب أنواع المعرفة المختلفة والإفادة منها في تحقيق التغيير المنشود: فرديا وجماعيا.

دلالات