في مواجهة دولة أوسلو

16 يونيو 2018
الصورة
+ الخط -
يعرِّف زيغمونت باومان، عالم الاجتماع الراحل، "السلطة والسياسة" في كتابه "الحداثة السائلة"، بالقول: "السلطة هي القادرة على فعل الشيء، بينما السياسة هي القدرة على تحديد ما ينبغي فعله، وإعطاؤه الأولويّة". وإذا ما نظرنا إلى هذه الإشارة في حضور "السلطة الفلسطينيّة" ونموذجها السلطوي السياسي في المظاهرات المطالبة برفع الحصار عن غزة، والتي شهدتها رام الله (المحتلة)، أمكن لنا تبيان فعالية السلطة كمؤسسة ليست فقط سلطويّة بالمعنى العنفي (السائل والصلب). ولكن كذلك كمؤسسة "احتلاليّة" بالمعنى المباشر والصريح للمصطلح، وما يفتحه لنا ذلك من فرجاتٍ للتأمل في إمكان مقاومة ومواجهة تلك المؤسسة، وقدرة السلطة فيها، في ظل "حراك ثوري عربي" لم تنطفئ جذوته منذ 2011، على الرغم من تكالب العسكر واللحى والمتثاقفين عليه، لإعلانه "ربيعًا" وقد انتهى!
شهدت مدينة رام الله "المحتلة" مظاهرات مطالبة برفع الحصار عن قطاع غزة، ومن ضمنه (أعني الحصار) ممارسات السلطة الفلسطينية وسياساتها تجاه القطاع، وقد واجهت السلطة تلك المظاهرات بمنطق عصابي، أقرب، من ناحية التنظيم، إلى قطيعٍ من الضباع منه إلى حركة "وطنيّة"، مستخدمة شبيحة وعصابات قريبة الشبه من شبيحة الأسد، وفكرة المستعربين الإسرائيليّة. ولعل التأمل في سيرورة السلطة الفلسطينية، وحركة فتح في قلبها، يمكنه أن يفتح بابًا للتفكيك البنيوي للمؤسسة، بالنظر إلى ثلاث ظواهر في تلك المؤسسة: الخطاب، الأدوات (الشبيحة و"المستفتحين" على وزن "المستعربين"، كمُخرجات) والبنية.
بشأن الخطاب، تقدّم السلطة الفلسطينيّة نفسها باعتبارها "دولة"، مستعيرةً أدوات مفاهيميّة 
أساسيّة في شأن تكون الدول، من دون أن تعي تلك السلطة أنها لا تملك أيًا من تلك الأدوات، فللدولة مساحة مكانيّة، تسمى "إقليم الدولة"، تتحقق فيها/ عليها شروط الدولة: أولًا، السيطرة: أي أن تسيطر الدولة على الإقليم من ناحية الحدود الجغرافية والطوبوغرافية والموارد والانتفاع منها. ثانيًا، أن تملك حق السيطرة على حدوده بمعنى الدخول والخروج من الإقليم وإليه، لكن كلا الأمرين لا يتحقق في الحالة الفلسطينيّة، فليس للسلطة أي شكل من السلطة أو السيطرة على إقليمها، غير المحدد الملامح بالأساس. والسياسة في أساسها سلطة مكانية، وفي حالة "الدولة الفلسطينيّة" هي غير موجودة، ولا خطأ في القول إن رأس "الدولة" لا يملك حق الحركة من دون موافقة إسرائيليّة.
ثاني ما تتأسس عليه الدول، هو ما يمكن أن تتعارف عليه جماعة من الناس بالـ"هوية الجامعة"، وهي الهوية التي ينتجها المجتمع بالتعاضد مع الدولة/ المؤسسة. ونميل إلى الوصف "الجماعة العضويّة"، وهي الجماعة التي تتخطّى فيه الإجابة على سؤال: "من نحن؟" الحدود الضيقة للزمان والمكان والإجراء المؤسسي للدول (الجنسيات والأوراق الرسميّة الثبوتية وغيرها)، وفي الحالة الفلسطينيّة؛ فإن تحديد الجماعة العضويّة الفلسطينيّة لا يمكن أن ينفصل عن سيرورتها في العلاقة بين الزمان (التاريخ) والمكان (الجغرافيا) الفلسطينيين، واللذين فتتهما "حدث الاحتلال"، باعتباره حدثًا مستمرًا في الزمان والمكان، فأي فلسطينيٍ يمكنه أن يتماهى هوياتيًا مع هذه "الدولة الفلسطينيّة"؟! فلسطينيو المنافي والشتات؟ (ماذا فعل رئيس تلك الدولة لفلسطينيي/ فلسطينيات المخيمات السورية؟) أم فلسطينيو "الداخل المحتل"، فمجرد وجود "الداخل المحتل" يعني أن ثمة "مكانًا" فلسطينيًا لا يزال محتلًا، ولا يعني أن الخارج الفلسطيني "مُحرّر"!. كما أن ثمة ملاحظة هامة في شأن فلسطينيي/ فلسطينيات الداخل المحتل، وهي: ألا يصبح الاعتراف بدولة فلسطينيّة في الضفة والقطاع مبرّرًا لانتقاص انتمائهم/ن لمجتمعاتهم، باعتبار أنهم قد بات لمجتمعهم "دولة فلسطينيّة" يتماهون معها، يمكنهم الرحيل إليها، وترك ما اعترفت به "دولتهم الفلسطينيّة" على أنه "دولة إسرائيل"؟ هل تمثل هذه الدولة –اللقيطة- فلسطينيي/فلسطينيات الضفة الغربيّة كما تمثل نظراءهم/ن في القطاع الغزيّ؟
ما القيمة الأخلاقيّة/ القيميّة التي يمكن إضفاؤها، ولو كذبًا، على "خطاب" لرأس هرم "الدولة الفلسطينيّة" لصحيفة إسرائيليّة يقول فيه: "إسرائيل وجدت لتبقى"؟ ما الذي يعنيه هذا لجماعة عضويّة فلسطينية لا تزال تعيش تحت نير الاحتلال؟!
وعن الأدوات، الدولة هي المؤسسة المنوط بها إدارة علاقات أفراد المجتمع، بحسب "عقد اجتماعي" يفرزه المجتمع ضمن فضاء الجماعة العضويّة، لتلتزم به المؤسسة ضمن حدود القانون، وسؤال القيمة الأخلاقيّة لوجود هذه الجماعة، أي أن مؤسسات الدولة هي أدوات، وسياساتها هي إجراءاتٌ وليست مصادر قيميّة أخلاقيّة في ذاتها. أين هي مؤسسات تلك الدولة الآن؟ وما مدى فاعليتها ضمن حدود الهويّة الجامعة، والمبنيّة أفقيًا، وليست تلك المفروضة رأسيًا؟
لعل بحثًا بسيطًا في تفاصيل اتفاقية أوسلو وما أنتجته (خطة دايتون، والتنسيق الأمني، نماذج) يفتح لنا بابًا على استهداف الطبقة الوسطى الفلسطينية، ودمجها ضمن مؤسسات الدولة، وتحويل أفرادها إلى موظفي دولةٍ، يقبضون معاشاتهم باتفاقيات اقتصاديّة وشراكات مع العدو الإسرائيلي. فالدولة الفلسطينية هي مؤسسةٌ، هدفها القيام على حماية العلاقة العضويّة بين دولة أوسلو وإسرائيل والمجتمع الدولي، وليس أساسًا فيها: الإنسان الفلسطيني. وإلا فلماذا استهداف الشباب المقاوم وتسليمه للاحتلال بالاعتقال أو القتل (الشهيد باسل الأعرج نموذجًا)، ولماذا تدار الدولة ومؤسساتها لصالح أفراد بعينهم، وأين تذهب أموال المنظمة؟ (وبالذات المساعدات الخليجيّة وما يترتب عليها من مواقف سياسيةٍ لا تتحرّى الأرضية الأخلاقيّة غالبًا؟)، ما مصير الاحتكارات التجاريّة في أراضي السلطة وكيف تمت؟ ما مصير الأراضي التي أزيل عنها الاستيطان؟ كيف يمكن الإشراف على أداء المؤسسات ضمن ثنائيّة الشفافية والرقابة؟ وغير ذلك من النماذج الكثير الكثير؟
لكن ما يستدعينا إلى التوقف هو السؤال عن "المواطن الفلسطيني" في ظل تلك "الدولة"، وسؤال القيمة الأخلاقيّ لديه.. يكتب جيرالد كوهين، في كتابه "إنقاذ العدالة والمساواة"، إن المجتمع المثالي، وإن كان كيانًا مطلقًا، لا يمكن الوصول إليه كاملًا، إلا أن قيمة العدالة والمساواة في المجتمعات ليست فقط شأن الدول، إنما هي همّ أفرادها، يحملونه معهم أينما حلّوا. وفي شأن "الدولة الفلسطينيّة"، فقد أنتجت مؤسساتها من يمكن وصفه "بالمواطن الشريف"، وهو المواطن الذي يتماهى مع شكل الدولة، ويصبح ذراعًا لها، وهي حالة عربيّة، أنتجتها 
الدولة العربية لمواجهة "الحراك الثوري العربي"، فخلقت مواطنين جواسيس وشبّيحة (حتى أن مهمة التشبيح والقتل والتجسس لم تعد فقط داخل الضفة الغربيّة المحتلة فقط، إنما باتت من مهام سفارات هذه الدولة وسفرائها في الخارج)، وهو ما بدا في كل تمظهرات دولة أوسلو، بدايةً من انتخابات الطلاب في الجامعات، وصولًا إلى مظاهرات "ارفعوا الحصار عن غزة".
وبشأن البنية، لا يخفى على أحد أن نشوء دولة أوسلو جاء محايثًا، ونتاجًا لفترة تفتت الهوية العربية الجامعة من ناحية، وفشل الدولة الوطنية ما بعد الاستعمارية عربيًا، ومحاولة لشراء نفسٍ جديد لإعاشتها، في صورة الدولة القُطرية ذات التوجه النيوليبرالي النفعي المعولم (الخالي من أي قيمةٍ حتى المنفعة الماديّة المقاسة، في ظل تفتت كل القيَّم، كنموذج "الأردن أولًا")، فكانت "الدولة الفلسطينيّة" الوليدة فصلًا ثالثًا بعد اتفاقيّات كامب ديفيد ووادي عربة (جدير بالذكر لزوم العودة إلى ما تكشف من قبول عربي – سعودي وفلسطيني- مستتر لاتفاقيات كامب ديفيد الساداتيّة مع إسرائيل).
وعليه، فإن دولة أوسلو هي القناة التي تمر منها سياسات الاحتلال المفروضة على الواقع والعقل والهوية العربية ككل، والفلسطينيّة تحديدًا، إذ يُناط بها منع أي شكل من استقلال الإرادة الفلسطينية عن إرادة المحتل والنظام العالمي ككل. ولذا هي المسؤولة بشكلٍ مباشر، ليس فقط عن اختراق العقل الفلسطيني وغرس القبول بالاحتلال كفكرة فيه، إنما العقل العربي ككل، وإذا عدنا إلى مقولة باومان، في استهلال هذا المقال، فتلك الدولة هي المسؤولة على جعل "الدولة الفلسطينيّة" أولويّة عن "فلسطين"، وما يصاحب ذلك من تنازلاتٍ تبدأ ولا تنتهي.
إذا كان لنا أن نستعير من فرانز فانون أدبياته عن الاستعمار ومقاومته، وتحديدًا إشارته إلى جهود الاحتلالات لخلق وسطاء من الشعوب المحتلة، لتدير هي شؤون الاحتلال، وأن هذه الطبقة (وصفها باللزوجة) هي أخطر ما يواجهه الواقعون/ الواقعات تحت الاحتلال، فإننا بذلك يمكننا القول إن مظاهرات رام الله التي نادت برفع الحصار عن غزة لا تستهدف فقط غزة، إنما هي مظاهراتٌ ضد كل مظاهر الاحتلال: حصار غزة، واحتلال رام الله، معًا.