في مناهضة الاستشراق الجديد

14 يونيو 2020
الصورة
من احتجاجات ضدّ العنصرية في باريس (Getty)

لم تمضِ سوى أيام على بث الشريط الوثائقي عن الحَراك الجزائري L’Algérie mon amour (الجزائر حبيبتي) على القناة الفرنسية الخامسة، والذي أثار لغطاً واسعاً في الجزائر بسبب المنظور الاستعماري الذي قَدّم من خلاله "السّيدُ السابق" الحراكَ الجزائري بتوصيفِ الصحافي الإيطالي فرانتشيسكو باتيستيني في مقالٍ له صدر في الأوّل من حزيران/ يونيو الجاري في صحيفة "كورييري ديلا سيرا"، حتى أطلّ شابّان شاركا في الوثائقي ليؤكّدا "تعرُّضهما للخداع" من قِبل صنّاع العمل؛ إذ ذكر أحدُهما أنَّ شهادته جرى التلاعب بها وتوظيفها لخدمة أيديولوجية لا تناسبه، وتأسّف آخر لانتهاك الشريط حياته الخاصة، دون إعطاء موافقته على ذلك.

وشبّه المدوّن الجزائري عبد الرزاق نايت صغير الوثائقيَّ غداة عرضه بـ "التحقيقات التي كان يقوم بها الفرنسيّون في بداية القرن العشرين حول مستعمراتهم في أفريقيا، والتي كانوا يعرضونها في قاعات سينما في ما يُشبه زيارة لحديقة الحيوان"، بينما اعتبرت إحدى المعلّقات أنَّ الأمر "يُذكّر تماماً بأحداث 1930، حينما احتفلت فرنسا بمرور قرن على مستعمراتها، وجلبوا إلى باريس رجالاً ونساءً وأطفالاً سوداً، ووضعوهم داخل خيام لعرضهم على السيّاح، وأرغموهم على محاكاة آكلي اللحوم البشرية".

وعلى الرغم من أنّ هذا العمل لم يعكس سوى التمثُّل الأوروبي لماهية الثورات العربية في السنوات الأخيرة، كما تُصوّره الوثائقيات والأفلام والنصوص الأدبية، مِن حيث إنها تجميعٌ لكلّ العقد الإكزوتيكية الكلاسيكية الموجودة في المخيّلة الغربية عن "العربي" ونشرها على أنها حقيقةُ شعوبٍ بدائية مكبوتة لا تحترم المرأة، سقفُ تطلّعاتها الجنسُ والكحول؛ إلّا أنّ من شأنه فتح نقاش حول إحدى أهمّ أدوات الاستشراق التي تجري من خلالها استباحة الحياة الخاصة للأفراد في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية واستعراضُ صُوَرهم من دون أدنى مراعاة لكرامة الأشخاص وخصوصياتهم، لتصبح الصوَر الأيقونية التي يُقدَّم من خلالها "الجنوب المتخلّف" و"الشرق الهمجي" في الغرب هي غالباً صور أطفال معفّرين بالتراب ينظرون بتعاسة إلى الكاميرا وسط ركام الحرب، أو طفل أسود يبكي بحرقة والذباب مجتمعٌ على وجهه.

يحدث كلُّ ذلك بالرغم من أن القانون في أوروبا وأميركا يمنع عرض صور القُصَّر "البيض" على وسائل الإعلام دون إخفاء وجوههم، حتى وإن كان السياقُ يتعلّق بالدخول المدرسي، ولا نشر صورهم من طرف مؤسّساتهم التعليمية وهم يمارسون نشاطاتهم الترفيهية العادية إلّا بعد موافقة أوليائهم وتوقيع إقرارات بذلك.

الأمر الذي لا يبدو أنه يُطلب من أمّهات النصف الجنوبي من الكرة الأرضية قبل نشر الصور المزرية لأبنائهن في أرجاء العالم، وهنّ اللواتي لا تُوفَّر صورهن أيضاً، وهُنَّ يحملن صررهن المُلوَّنة على ظهورهن في رحلات اللجوء ومعهُنّ أبناؤهن الشُعث الحفاة على خصورهن، في مشاهد تبدو أقرب إلى عروض استشراق جديدة تصبّ في ذات الهوس "الفتيشي" عن الشرق، حيث كانت صور النساء العاريات في الحمّامات الشرقية محور فنتازمات الرجل الأبيض، لتصبح النساء الشرقيات الغارقات في الوحل وركام الحروب محور فنتازمات المستشرق الجديدة، وقد يظهر هنا تطوُّر الذوق الاستشراقي في عصر ما بعد الحداثة.

"الحرب جميلة"، هكذا ذكّرتنا دوناتيلا ديلا راتا بمقولة الكاتب الأميركي ديفيد شيلدز الاستفزازية في معرض نقدها للفيلم السوري "إلى سما" في مقال لها نُشر في موقع "حكاية ما انحكت" بتاريخ 14 آيار/ مايو الماضي، حيث تذهب الكاتبة بشكل صريح للقول إنّ "المرأة والأمومة أصبحتا أدوات بيد الاستشراق الجديد الرقمي للاستغلال الاستعماري وأشكاله الأخرى الخفية". وهذا بالرغم من التعاطف الذي حصل عليه الفيلم بعد عرضه في روما ونجاحه في "إبكاء" الجمهور الإيطالي الذي تفاعل مع قصّة بطلة الفيلم الحقيقية، والتي أكّدت الناقدة الإيطالية أنها بقيت باردةً حيالها بسبب خلفية العمل الاستشراقية الذكورية.

في ذات السياق، وعن القصص الحقيقية "المدرّة للدموع" التي يروج لها سوق الاستشراق الجديد في أوروبا، وفي حوار أجرته مجلّة "Left" بتاريخ 24 أيار/ مايو الماضي مع الكاتبة الصومالية الإيطالية إيجابا شيغو تحت عنوان "أكتب لأحرّر الأدب الإيطالي من الكولونيالية"، أكّدت الأخيرةُ أنّ "الخطر الآن هو أن يبتلعنا سوقٌ لا يريد منّا سوى قصص حياة، أمّا إن كانت مُدرّة للدموع فذلك أفضل. وهناك يجب أن نتدخّل لرفض الإملاءات السهلة للشهادات".

وعن سوق الشهادات و"العواطف السهلة التي يتوقّعها الاستشراق الغربي"، تحدّثت الباحثة الإيطالية آنا سيريلينغا في مقالتها النقدية التي تناولت الفنون الاستعراضية في العالم العربي ضمن كتاب "Arabpop الأدب والفن العربي في زمن الثورات" (ميميزيس، 2020)، حاملةً وجهة نظر عادةً ما يتمّ غضّ الطرف عنها في أوروبا لفنّانين وكتّاب عرب كثيراً ما يجرى التعامُل معهم كحالات إنسانية يتمّ تشجيعها على الحديث عن الحرب والمعاناة والألم، وهو "موقف لا يساعد قضايانا، فما يساعدنا هو أن نخلق قدر المستطاع مسافة تجعلنا ننظر للأمور بشكل أفضل". هكذا عبّر الممثل اللبناني ربيع مروة عن وجهة النظر العربية من الموقف الاستسهالي الذي تقارَب فيه الفنون والآداب العربية في الغرب.

ضمن نفس المؤلَّف، تذهب فيرناندا فيسيكيوني ذات الوجهة، لتحمل بجرأة الصوت العربي من الاستشراق الجديد إلى إيطاليا في فصل مخصّص لأغاني الثورات، ترجمت فيه الباحثة مقاطع كاملة من أغنية "استشراك" لمغنّي الراب اللبناني مازن السيّد المعروف باسم "الراس"، الذي عرّف الاستشراق الجديد بكلمات لاذعة على حدّ وصف فيسكيوني في حوار معها: "عندما كنّا في باريس (...) وفي نهاية إحدى السهرات، قامت مستشرقة ثملة من مكانها وأخذت بالصياح: "الشعب يريد حرية التعبير"، بالنسبة إلينا هذه الكلمات سالت معها الدماء وسقطت معها الكثير من الأرواح، وليست شيئاً يُمكن أن تستخدميه لتعيشي نزواتكِ الشخصية".

وهكذا في خضمّ ما يبدو وكأنه عودة قوية للاستشراق في مقاربة القضايا العربية في السنوات الأخيرة في أوروبا وإيطاليا، أتى كتاب "Arabpop" الصادر بإشراف كيارا كوميتو وسيلفيا موريزي، ومشاركة كاترين كورني، وفيرناندا فيسكيوني، وآنا غاباي، ولوتشي لاكوانيتي، وآنا سيريلينغا، وأولغا سولومبرينو، لينقل الموقف العربي من التبسيط الكاريكاتيري والتعاطي المبتذل الذي يطاول الثقافة العربية في إيطاليا وأوروبا عموماً.

وقد اتخذت الكاتبات مقاربة صريحة مضادّة للاستشراق، أظهرن فيها قدرة على نقل صورة بانورامية للمشهد الفنّي والأدبي العربي (الرواية، الفنون المرئية، الأغاني، الشريط المصوّر، الجداريات الفنية، الشِّعر، الفن الاستعراضي والمسرح، والسينما) في حدود ما يسمح به موضوع العمل وذوق الكاتبات، ووعياً بمتطلّبات السوق الأوروبية نفسها التي تميل إلى التركيز على مواضيع دون غيرها، كما ذكرت ذلك أولغا سولومبرينو في فصلها المخصّص للسينما، لا سيما في الحديث عن النسوية وحثّها صراحةً القارئ للبحث دوماً عن مموّلي الأعمال الفنية، وكالات وطنية، أو منظّمات غير حكومية أجنبية، وأجنداتها. وحيث عرّجت الكاتبات في فصول عدّة على مواضيع: نسويةِ الدولة في الدول العربية، النسوية الاستعمارية، ونسوية المنظمات غير الحكومية الأجنبية التي تشوّش على الخطاب النسوي المحلّي وحركته العفوية، لا سيما في السياق الفلسطيني، وهي مواضيع لا تُطرَق عادةً بموضوعية في الدوائر الفكرية الإيطالية التي تنزع بمجملها للأدلجة الصارخة والتسطيح عندما يتعلّق الأمر بالشأن العربي.

وبذلك يكون "Arabpop" قد دشّن هذه السنة في إيطاليا موسم الإصدارات الترجمية والنقدية التي تخصّ العالم العربي بعمل جاد وبمقاربة مسؤولة، فاتحاً ورشات تفكير للقارئ الإيطالي على العالم العربي، بعيداً عن سوق بكائيات الاستشراق الجديد والتي لا يأخذها المتلقّي الغربي عادةً على محمل الأدب ولا الفن، بسبب التعامل الأزلي مع قضايا النصف الجنوبي للكرة الأرضية القائم على منطق التسلّي الأنثروبولوجي بشعوبٍ كان يُطلَب منها سابقاً إمتاع الرجل الأبيض في عروض كوميدية (وصورة الفتاة السوداء المعروضة في "حديقة حيوان بشرية" ببلجيكا قبل 60 سنة غير بعيدة عنّا) لتتطوّر تسلية الرجل الأبيض لاستخدام مواد تراجيدية "حقيقية" ـ مسايرة لموضة تلفزيون الواقع في عصر مُتعات ما بعد الحداثة ـ يجري بمقتضاها استباحة صور الأطفال والقصّر أبناء الشعوب "الأُخرى"، وتُخترق فيها الحياة الخاصة للأفراد نساءً ورجالاً في أفلام ووثائقيات رخيصة، وصولاً إلى تقزيم أدبها، وبدل مقاربته فنياً تحويله إلى مجرّد "شهادات".


* كاتبة جزائرية مقيمة في إيطاليا