في معنى أن فلسطين بوصلتنا

04 مايو 2015
الصورة

التناقض الرئيسي للمصلحة العربية مع الهيمنة الأميركية وإسرائيل (Getty)

لا مكان للحديث عن فلسطين في وطنٍ عربي، تنتقل فيه كرة اللهب من مكانٍ إلى آخر، وتحفل أقطاره بأحداث متلاحقة ومتسارعة، فالقضية الفلسطينية، اليوم، في قعر سلم الأهمية الإعلامية، وهي بحاجة إلى حربٍ، مثل حرب غزة، لتتبوأ الصدارة مجدداً، لكن الكلام، هنا، ليس عن أخبار القضية الفلسطينية، وإنما عما يردده العروبيون عادةً، ويردده غيرهم أيضاً، من أن القضية الفلسطينية هي قضية الأمة المركزية، وأنها البوصلة التي تحدد مسار الأمة، ويحتاج هذا الكلام إلى توضيح، في أيام الضبابية واختلال التوازن هذه، إذ إنه ليس كلاماً إنشائياً يصلح لمغازلة فلسطين، شعراً ونثراً، بل هو توجه ينعكس في فهم المشهد من حولنا، واتخاذ الموقف مما يجري في منطقتنا.

عند الكلام عن فلسطين البوصلة، لابد من التعريج على أمرين تاريخيين مهمين، لفهم طبيعة هذه القضية، وأثرها على الوطن العربي، يتعلق الأول باعتبار فلسطين ضحية حالة استعمارية إحلالية، تحل من خلالها مجموعة بشرية مكان السكان الأصليين من العرب، وتُهجِّرُهم وتُصادر أراضيهم، وهذه الحالة دُعِمت، بشكل مباشر، من الاستعمار البريطاني، حيث سهّل البريطانيون الهجرات إلى فلسطين، والاستيطان اليهودي فيها، منذ أواخر القرن التاسع عشر، ولاحقاً تم دعم الكيان الصهيوني المُقام على الأرض المغصوبة، من القوى الاستعمارية الغربية الكبرى، لتكون قاعدة متقدمة للاستعمار في المنطقة العربية، ولتعمل على تحقيق المصالح الغربية في منطقتنا، عبر تموضعها في المساحة الجغرافية التي تصل المشرق بالمغرب العربيين.

الأمر الثاني ارتباط الاستعمار في فلسطين بالاستعمار في الوطن العربي، وبالذات في المشرق، حيث تقاسم البريطانيون والفرنسيون تركة الإمبراطورية العثمانية، بعد الحرب العالمية الأولى، وكانت فلسطين ضمن عملية التقسيم التي تمت للأراضي العربية، على الرغم من إرادة العرب، وهو ما أوجد نضالاً عربياً تحررياً ضد الاستعمار، كانت فلسطين في القلب منه.

بقاء هذه الحالة الاستعمارية في فلسطين، ودعمها من القوى الغربية، وتحديداً الولايات المتحدة، بغرض تعزيز هيمنتها على المنطقة، ومنع النهوض العربي، يشير إلى وضع الأمة العربية، إذ هي أمة لم تقرر مصيرها بفعل الاستعمار، ثم إنها خاضت نضالاً تحررياً ضده، وما زال قابعاً في فلسطين، مدعوماً من القوى الاستعمارية القديمة والجديدة، وهو ما يجعل تحديد العدو سهلاً في حالة العرب، وتمييز العدو من أهم الأمور في المجال السياسي، فهذا التعريف يسهّل تحديد المصلحة السياسية، وهكذا، فإن تعريف العدو الصهيوني بوصفه عدواً وجودياً للعرب، يصنع جزءاً أساسياً من تقدير المصلحة العربية، ومن إدراك العربي ذاته وموقعه، وفهم طبيعة الصراع في المنطقة، وعليها.

لا يمكن فهم الأحلاف والمحاور الإقليمية، والتدخلات الأجنبية في القضايا العربية، من دون ربطها بفلسطين والاستعمار الصهيوني، ولو قرأنا تاريخ المنطقة خلال القرن الماضي، لوجدنا كيف تبدلت الأحلاف والمحاور، وتغيّر اللاعبون، وبقي الجزء الأساسي من الصراع متعلقاً بالهيمنة الغربية (الأميركية)، وضمنها الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وهذا الجزء الأساسي من الصراع، يُهمَل، اليوم، في تفسير النزاعات القائمة في المنطقة، على الرغم من أنه ما زال مفتاحاً لفهم طبيعة الصراع، من دون إنكار وجود عوامل أخرى تغذيه.

اتخاذ الموقف من الأدوار الإقليمية والدولية في العالم العربي يتعلق، بشكل أساسي، بالموقف من فلسطين والاحتلال الصهيوني، وهو ما يصنع حساسية عالية تجاه الدور الأميركي، أكثر من أي دورٍ آخر، نظراً لتطابق المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، بحسب التأكيد الدائم للخطاب السياسي الأميركي، وهذا يجعل فكرة "التقاء المصالح" مع الأميركيين بعيدة، وفقاً لتقدير المصلحة العربية، لا مصلحة هذه الجماعة الأهلية أو تلك التي يمكن أن تُشرِّع حتى الاستعانة بالعدو، في صراعٍ أهلي، ضاربةً بمصلحة الأمة عرض الحائط.

من غير الممكن، أيضاً، تجاوز الدور الاستعماري، في تعزيز المشكلة الطائفية في المشرق العربي، فقد عملت الممارسات الاستعمارية على مأسسة الطوائف، وتسييس الهويات المذهبية، ويكرِّس الخطاب الاستشراقي الذي يتكرر، يومياً، في الإعلام الغربي، النظر إلى العرب، بوصفهم طوائف متناقضة، وهو ما تكرسه وسائل إعلام عربية كثيرة، أيضاً، تحت ضغط الأزمات الحالية، من دون مقاومة هذه النظرة التي تهدف، في جزء منها، إلى شرعنة الوجود اليهودي في فلسطين، ضمن تقسيمات مذهبية في كامل المنطقة، يصبح معها الكيان الصهيوني طبيعياً ومقبولاً.

القول إن فلسطين بوصلتنا، يقتضي عدم نسيانها في تفسير وفهم الأحداث والنزاعات من حولنا، والأهم، عدم تجاهلها في اتخاذ الموقف من هذه الأحداث، لأنها جزء أساسي فيها، ولأن تفعيل الهوية العربية الجامعة، في زمن الشقاق والاحتراب الأهلي، لابد أن يمر بفلسطين، فهي قلب هذه الهوية التي لا ينجح استخدامها على أسس عنصرية بدائية، في صراعاتٍ أخرى، سوى في تغيير أولويات الصداقة والعداء، وتجاهل العامل الاستعماري والإسرائيلي في صراعات المنطقة، وبالتالي، تفريغ هذه الهوية العربية من مضمونها.

التناقض الرئيسي للمصلحة العربية مع الهيمنة الأميركية وإسرائيل، وتجاهل هذا التناقض، لحساب اصطناع تناقضات أخرى، وبالذات بين المكونات الاجتماعية العربية، يشير إلى انحراف البوصلة، وهو ما يستدعي التذكير بهوية العدو، لاعتبار العداء معه عاملاً أساسياً في الفهم واتخاذ المواقف.

تعليق: