في مديح الشطّاف!

18 مايو 2020
في مجلتها الأسبوعية التي تصدر كل أحد مع عددها الأسبوعي العملاق، ظلت كبرى صحف العالم (نيويورك تايمز) تقدم لسنوات طويلة باباً ثابتاً عنوانه (من اخترع هذا)، لتروي في كل عدد قصة شخص اخترع شيئا موجودا في حياة الناس اليومية وأصبح من مسلماتها، بدءاً من جهاز تحميص الخبز "التوستر" ووصولاً إلى مضرب قتل الذباب.

للأسف لم أصادف ولا مرة خلال قراءتي لذلك الباب موضوعا عن صاحب أهم اختراع إنساني على الإطلاق من وجهة نظري، أو دعنا نقل أنه أهم اختراع إنساني على الإطلاق بعد الإنترنت، أو يستحق اللقب مناصفة مع الإنترنت، أتحدث عن (الشطّاف) ولا مؤاخذة، وهو إن كنت تطلق عليه اسماً آخر، ذلك الجزء الموجود في كرسي الحمام أعزك الله والذي يفترض به أن يساعد الإنسان منا على تنظيف فضلاته التي تأبى فراقه، ولعلك وقد عرفت ما هو الآن، أصبحت تدرك سر تجاهله في ذلك الباب الثابت المخصص للكشف عن مخترعي الأشياء، لأن الشطاف نفسه كما تعلم ليس من مسلمات الحياة الأمريكية ولا الغربية بشكل عام، ربما لأن القدر اختص أمتنا العربية بالشطاف دوناً عن باقي الأمم تقديرا لفضلها ومكانتها وخيرها على البشرية، أعلم أن اليابانيين يستخدمون الشطاف وينسب إليهم فضل تطويره، لكن دعنا نتجاهل هذه الحقيقة لكي يظل فخرنا بأنفسنا متماسكاً، ولكي لا يفقد زهونا وتفاخرنا على الغربيين معناه.


من قضى في بلاد الفرنجة سنين طويلة يعرف أن أكثر ما يمكن أن تعانيه فيها، هو اضطرارك إلى طرق ملتوية لتنظيف نفسك بالطريقة الآمنة والمريحة التي تعودتها منذ نعومة أظافرك، ولذلك فأنت لا تكف عن الحنين إلى الشطاف طيلة إقامتك هناك، لدرجة أنني أعرف صديقاً لي عاد بعد غربة طويلة في أوروبا فالتقت به مذيعة في المطار كانت تسجل برنامجا تلفزيونيا مع العائدين إلى الوطن تسجل سعادتهم بالعودة إلى الوطن، وعندما سألته المذيعة عن أكثر ما افتقده في الوطن، أجابها دون طول تفكير: "بصراحة الشطاف"، ولذلك حين نرى الفيديوهات التي تعرض لحظة لقاء إنسان العالم الغربي بالشطاف، ومدى سعادته به، خصوصاً حين جرب مأساة نقص ورق التواليت بعد وباء كورونا المستجد، نشعر بالفخر لأننا برغم تردي نظامنا التعليمي وهزال حياتنا الثقافية وضمور ملكتنا النقدية، أدركنا أنه لا يفلّ الخراء إلا الماء.

الغريب يا أخي أن الإنسان المتقدم الذي اخترع الشطاف المزيل لفضلات الإنسان المتخلف المادية، لم يتمكن من اختراع شطاف معنوي يزيل عن الإنسان فضلات الآخرين التي تعلق به طيلة الوقت عندما يخالطهم أو يقرأ لهم أو يشاهدهم أو يستمع إليهم، مع أن شطافاً مثل هذا كان أبرك وأهم وأجدى مليون مرة من شطاف الفضلات الذي يمكن أن تغنيك عنه المناديل الورقية بأنواعها ولو حتى إلى حين يحين موعد اغتسالك، ومع أن ذلك الشطاف كان يمكن أن يستخدم في شتى أنحاء العالم، ويفيد كل الناس من شتى الأعراق والألوان والأديان سواءً كان منهم من يعرف الشطاف المادي ويستخدمه أو من يقرف منه وينبذه.

ولكي تدرك أهمية اختراع مثل هذا يمكن أن يقلب حال الإنسانية كما نعرفها، تخيل معي نفسك وأنت تعود إلى بيتك بعد يوم مرهق وجسدك وروحك يلتصق بهما كم مهول من فضلات الآخرين المعاشة والمسموعة والمرئية والمقروءة، فتهرع إلى الشطاف المعنوي المثبت في ركن من الصالة لتقوم برش نفسك وإزاحة كل تلك البلاوي المهببة عنك حتى تنتعش روحك قليلا وتتمكن من الهدوء بعض الشيئ وفتح التلفزيون أو الكمبيوتر للإلتصاق بفضلات أخرى تستخدم ذات الشطاف في إزاحتها من جديد.

أعلم أن الإنسان اخترع الآداب والفنون باختلاف أنواعها لكي تزيح عنه فضلات الحياة، لكن مشكلة الآداب والفنون أنها أحيانا تكون سببا في تقليب مواجع الحياة عليك أكثر، والفن الجميل ينعش روحك، لكنه أحياناً يكاد يقتلك من فرط الشجن، والفنون والآداب الرديئة تتحول بدورها إلى فضلات ترغب في التخلص منها، لذلك يحتاج الأمر إن رغبت العيش منزهاً من الفضلات المعنوية إلى وسيلة خرساء جامدة ليس لها أعراض جانبية ولا تفعل شيئا أكثر من استهداف الفضلات الحياتية بشكل مباشر.

لكي أشرح لك الفكرة أكثر، دعني أقل إنه كان يمكن أن يظل الإنسان المدلل والمحب للكسل معتمداً في تحميص الخبز على زوجته أو على حبيبته أو على أمه أو على "أي حتة طرية في حياته" بشكل عام، لكنه من أجل تخفيف أعراض لجوء أنثى حياته إلى الرغي والشكوى والقمص واللت والعجن والمن والتقطيم، قرر أن يخترع (التوستر) الذي لا يفعل شيئاً سوى تحميص الخبز من سكات، وبالقياس فنحن بالتأكيد نحتاج إلى شطاف معنوي لفضلات الحياة لا يفعل شيئا سوى إعانتنا على احتمال وعثاءها وكآبتها.

على أية حال إذا ضايقك التصاق ما قرأته الآن بك ووجدته هراءً لم يكن عليك إضاعة وقتك في قراءته، فها أنت وجدت سبباً إضافياً لأهمية أن تشرع فوراً في التفكير في اختراع شطاف معنوي كان يمكن أن تستخدمه للتو لإزاحة كل ما قرأته بعيداً عنك، مع أنه كما تعلم ـ حتى وإن أنكرت ـ ليس أسوأ ما يجب أن تضطر لإزاحته بعيداً عنك، خصوصاً في هذه الأيام.