في محبة آل سيف..

18 اغسطس 2020
الصورة

(ريما سلمون)

من العائلات المصرية التي لديها تاريخ نضالي كبير يمتد عدة أجيال، وتعتبر توجهات أفرادها ومواقفهم البوصلة لآلاف من النشطاء والباحثين عن الحرية والديمقراطية والحكم الرشيد، ومع كل ما يتعرضوّن له من قمع وتضييق وتشويه مستمر منذ سنوات، إلا أنهم على مواقفهم نفسها التي لم تتغير، رغم كل ما يلاقونه، إنها عائلة سيف.
الوالد هو أحمد سيف الإسلام عبد الفتاح، المحامي اليساري المعروف، رحمة الله عليه، كان زملاؤه يطلقون عليه لقب القدّيس، فهو تلميذ المحامي اليساري الشهير أحمد نبيل الهلالي، الذي يتحدر من أصول أرستقراطية، وفضّل الانحياز للفقراء، وكان يدافع عن جميع المعتقلين السياسيين من جميع التيارات بلا مقابل، ولذلك استحق لقب القديس الذي انتقل إلى تلميذه.
كان أستاذنا أحمد سيف الإسلام من المحامين القلائل في مصر الذين يتمسّكون بالإجراءات القانونية وصحتها، وضرورة أن يكون المحامي مهنيا إلى أقصى درجة. وكان كأستاذه، أحمد الهلالي، يدافع عن كل قضايا الرأي لكل التيارات بدون تمييز وبدون مقابل، وكان هو المحامي الرئيسي لقضايا عديدة خاصة بالتيار الإسلامي بكل تنوعاته، على الرغم من أنه ماركسي. وكان من أنصار أن حقوق الإنسان يجب أن تكون للجميع بدون تفرقة، وأن المطالبة بحقوق الإنسان للخصم أو المختلف معك أيديولوجيا أو سياسيا يجب أن تكون مقدَّمة على المطالبة بحقوق مَن هم في فصيلك نفسه أو أفكارك أو معسكرك أو معتقداتك.
اعتُقل أحمد سيف عدة مرات في عهدي الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك، وقضى خمس سنوات في السجن في عهد مبارك، تعرّض خلالها للتعذيب الشديد. وكانت تهمته الانضمام لتنظيم شيوعي مسلح، وهي السنوات التي قرّر فيها دراسة الحقوق، وأن يكون مدافعا عن حقوق الإنسان للجميع بدون تمييز، ومهما كانت الظروف السياسية. تقابلت مع القدّيس في مناسبات وندوات ثقافية عديدة قبل أن أقابله في قاعات المحاكم منذ العام 2006، عندما كان يدافع عني وعن زملائي من شباب الحركة المصرية للتغيير (كفاية)، وكان خير سندٍ لجميع النشطاء في جميع القضايا، وكان أيضا هو المحامي الرئيسي في الدفاع عن المعتقلين في حركة 6 إبريل، حتى توفاه الله ونحن في السجن عام 2014.

اعتُقل أحمد سيف مرات في عهدي السادات ومبارك، وقضى خمس سنوات في السجن في عهد مبارك، تعرّض خلالها للتعذيب الشديد

أما علاء سيف أو علاء عبد الفتاح، فهو الصديق الذي تقابلت معه في أنشطة عديدة منذ عام 2005، وحُبسنا معا عام 2006 في الزنزانة نفسها نحو شهرين، بتهمة التجمهر وإهانة رئيس الجمهورية ومحاولة قلب نظام الحكم. وحبسنا أيضا في العنبر نفسه في سجن طرة عامي 2013 و2014، بتهمة التظاهر بدون تصريح، وإن كان كل منا في محبس انفرادي، ولكن في المكان نفسه، وهي القضية التي قضيت بسببها ثلاث سنوات في السجن، بالإضافة إلى ثلاث سنوات أخرى تحت المراقبة اليومية المسائية في قسم الشرطة. وعايشت مع علاء أحداثا عديدة، منها سماعنا وسماع علاء خبر وفاة والده أحمد سيف من جهاز الراديو داخل الزنزانة، وكيفية مرور تلك اللحظة القاسية علينا جميعا.

حكم على علاء في العام 2014 بالسجن خمس سنوات بالإضافة إلى خمس سنوات أخرى تحت المراقبة المسائية اليومية، وأنهى مدته وتم الإفراج عنه بالفعل في 2019، ولكنه يقضي حاليا فترة حبس احتياطي جديدة مفتوحة لسبب غير مفهوم، على الرغم من أنه كان يلتزم بمواعيد المراقبة اليومية في قسم الشرطة. ويفسّر كثيرون حبسه أخيرا بسبب تغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي، ولقاءات صحافية أجراها مع مواقع إخبارية في الأشهر القليلة التي تلت خروجه من السجن في 2019.
الأم هي ليلى سويف، أستاذة الرياضيات في كلية العلوم في جامعة القاهرة، وهي أيضا الناشطة البارزة التي تساند القضايا الحقوقية والعمالية. كنت أراها في بداية اهتمامي بالشأن السياسي في تظاهرات دعم الانتفاضة عام 2002 وتظاهرات رفض غزو العراق عام 2003 ثم تظاهرات حركة كفاية المناهضة لحكم مبارك منذ 2004، بالإضافة إلى دورها الرئيسي في حركة استقلال الجامعات المصرية عن السيطرة الأمنية، وكان لها نشاط سياسي منذ نعومة أظافرها، حيث شاركت في تظاهرات جيل السبعينيات ضد سياسات الرئيس السادات، وهي خير سند للجميع في القضايا الحقوقية والفئوية والعمالية.

عايشت مع علاء أحداثا عديدة، منها سماعنا وسماع علاء خبر وفاة والده أحمد سيف من جهاز الراديو داخل الزنزانة

أما الابنة الوسطى فهي منى سيف، الفراشة التي تجدها في جميع المناسبات والأنشطة المدافعة عن حقوق الإنسان، والتي تجدها دائما داعمة لكل المعتقلين والمظلومين مهما كانت توجهاتهم وانتماءاتهم بدون تمييز.
بعد إعادة حبس علاء منذ عام تقريبا، تفرّغت الأسرة لمتابعة أحواله داخل السجن ومحاولة التخفيف عنه، خصوصا بعد أزمة كورونا وانقطاع الأخبار، فعلاء لم يمكث خارج السجن سوى عدة أشهر قليلة منذ أواخر العام 2013. لم يتمكّن في تلك الأشهر القليلة من استعادة حياته أو رعاية ابنه وتعويضه عما فات، بالإضافة إلى طبيعة الحبسة الجديدة، فهي أسوأ كثيرا من سابقتها، فقد تم حبسه هذه المرة في سجن العقرب، وهذا شديد الحراسة، وتخرج منه وعنه قصص مرعبة يشيب لها الولدان.

كانت الأسرة تذهب يوميا وبشكل دؤوب إلى سجن العقرب، للمطالبة بإدخال مستلزمات طبية لعلاء والاطمئنان عليه في محبسه، وكان طلبُهم يُقابَل بالرفض عادة، ونادرا ما تتم الموافقة، ولكن الأسرة تعود في اليوم التالي لتكرار المحاولة. وحاولت الدكتورة ليلى الاعتصام والمبيت أكثر من مرة أمام السجن، من أجل تحقيق طلبها، وكان يتم منعها في كل مرة، حتى تصاعد الموقف بشكل سريع في إحدى المرّات، وتم طردهن بالقوة والاعتداء عليهن بالضرب من نساء مأجورات، وعندما حاولن الشكوى، وتقديم بلاغ للنائب العام للتحقيق في ما حدث لهن، فوجئن بالقبض على سناء، الشقيقة الصغرى لعلاء ومنى.

ليلى سويف، أستاذة الرياضيات في كلية العلوم في جامعة القاهرة، الناشطة البارزة التي تساند القضايا الحقوقية والعمالية

كان حبس سناء مجدّداً خبرا أصابني بكثير من الغم والهم والحزن، فهي الشابة الصغيرة المتحمسة دوما والجريئة. أتذكر أول اعتقال لها عندما كان عمرها 19 عاما، فقد حُكم عليها بالسجن عامين هي وزملاء ورفاق لها عام 2014، عندما نظّموا تظاهرة للمطالبة بالإفراج عنّا وقتها، قبل أن تخرج بالعفو الرئاسي في 2015، بعد ضغط إعلامي ودولي كبيرين. وضربت أمثلة عديدة، وهي في سن صغير، كيف تكون الشجاعة والجسارة والثبات على المبدأ، وقد حُكم عليها مرة أخرى بالسجن ستة أشهر بتهمة إهانة القضاء عام 2015. وعندما أحسّت بإمكانية عدم تنفيذ الحكم نوعا من المجاملة، رفضت ذلك، وسلّمت نفسها، وأصرّت على تنفيذ الحكم بالسجن، لكي لا يكون عليها رد جميل لأحد.
بعد حبسها أخيرا، تعالت أصوات محسوبة على التيار الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين على وسائل التواصل، يجاهرون بالتشفي العلني والشماتة، مهللين فرحين بحبس سناء وقبلها علاء، والاعتداء البدني على الزميلة منى ووالدتها، وذلك بسبب مواقف سابقة لعائلة سيف عام 2013، فعلى الرغم من عدم تأييد عائلة سيف الخروج ضد الرئيس الأسبق محمد مرسي في 30 يونيو/ حزيران 2013، ولا ما حدث بعد "3 يوليو"/ تموز من العام نفسه، إلا أنه كانت لهم تصريحات وتغريدات تستهجن وجود مسلحين من التيار الإسلامي في اعتصام ميدان النهضة في الجيزة، فعائلة سيف من سكان المنطقة، وقد شهدت ما فعله بعض المسلحين المنتمين للتيار الإسلامي، واعتدائهم على بعض سكان مناطق الجيزة وقتها. وعلى الرغم من إدانة آلِ سيف ما حدث في أثناء فض الاعتصام في ميدان رابعة العدوية، وعلى الرغم مما يشهره آل سيف من تضامن مع جميع سجناء الرأي، بمن فيهم المحسوبون على التيار الإسلامي، ولكن يبدو أن هناك من يستمر في تصنيف البشر حسب مدى قربه وتوافقه من تياره أو مواقفه فقط.
ولكن على الرغم من التنكيل الذي يعانيه آل سيف، ومن تشفي من تشفّى في مصابهم، إلا أن الاحترام والتقدير والمودة يتضاعف تجاههم، فمن النادر وجود مثل هؤلاء المتمسّكين بمبادئهم وإنسانيتهم، وسوف تمر السنين وتتغير الظروف، وستبقى عائلة سيف مثالا للنضال والصمود والثبات على المبدأ.