في عيادة الأسنان

17 سبتمبر 2020

 كنت أعاني من ألم حاد في أحد أضراسي الضواحك، وبعد مرور وقت ليس بالقصير على تحمّلي الوجع، ألحّت عليّ زوجتي المصون بالذهاب إلى طبيب الأسنان علّه وعسى أن أجد لديه الحل الناجع لوجع الضرس الذي حلّ بي ولم أنتهِ منه، وأحمد الله وأشكره أنّي لم أزر العيادة السنية في النمسا إلّا ثلاث مرات متقطعة، بما فيها المرّة الأخيرة التي زرت فيها عيادة سنية تعود لطبيب سوري من مدينة حمص، ويشغل العيادة المزدحمة، وعن بكرة أبيها، عدد من الأطباء الشباب المتميّزين، وأغلبهم سوريون.

وكنت قبل زيارة هذه العيادة السنية، سبق لي أن زرت عيادة سنية تعود لطبيب نمساوي، وكان الهدف من تلك الزيارة إجراء فحص دوري لأسناني، وتنظيف ما يمكن أن يسمى "الجير"، وهو عبارة عن طبقة من البلاك مكوّنة من مستعمرات بكتيرية توجد على سطح الأسنان، ولها تأثيرها الضار على صحة الأسنان، وتزيد معدل الإصابة بالتسوس. ومع مرور الوقت، يحدث تكلس لطبقة "الجير" نتيجة تراكم الأملاح مثل: الكالسيوم، والماغنسيوم، ما يجعلها صُلبة ويصعُب معها التخلص منها، و أكثر الأماكن التي تتكون عليها طبقات الجير هو السطح الداخلي للأسنان السفلية، وعلى جانبي الأسنان العلوية.

وبعد فترة من الوقت تجاوزت العام عُدت أدراجي وراجعت العيادة ذاتها للسبب نفسه، وانتهت معها مشكلتي.

الصورة ذاتها حدثت أمامي مع مرضى آخرين، وكيف كان يؤدي عمله الطبّي معهم، بالحفاظ على أسنانهم، والتعامل معها، وكأنها تعود له شخصياً

في الأيام الأخيرة، وبعد مضيّ أكثر من عامين على آخر زيارة لي للعيادة السنية، كنت أشكو من إصابة في أحد أسناني الرئيسة "الضواحك"، وأكد لي صديق عزيز أنّ من الضروري مراجعة العيادة السنية التي تعود لطبيب عربي سوري، وعيادته تتوسط الحيّ الرابع في العاصمة النمساوية "فيينا"، وتضم طاقماً من الأطباء السوريين المتميّزين، المشهود لهم بالخبرة والمعرفة الجيدة بمعالجة الأسنان، ومن بينهم يوجد طبيب شاب كان قد تخرج في الجامعات السورية، وزاول المهنة هناك لفترة من الوقت، ونتيجة الواقع المؤسي الذي حل بسورية وبالسوريين من حرب مدمرة فضّل الهجرة هو الآخر مع من هاجر، وحالفه الحظ باللجوء إلى النمسا، في الوقت الذي كانت رغبته في البداية الوصول إلى التراب السويدي، ولم يسعفه الحظ بذلك، وانتظم في إكمال دراسته في الجامعات النمساوية، وبعد الانتهاء من تعديل شهادته السورية، حصل على الموافقة من الجهات الحكومية في "فيينا" بمزاولة المهنة، التي يعشقها، وهو طبيب سوري جدير بالاحترام والتقدير، ولا سيما أنّه متمرّس في عمله، وهو يمارس عمله بروح الهاوي وليس بروح المحترف، أضف إلى أنه متفوق في دراسته، ويقدم خدماته للمرضى المراجعين للعيادة التي يعمل فيها بروح مرحة، وبابتسامة مشرقة، وباحترام شديد لم يسبق أن لمسته لدى أيّ طبيب آخر، سواء هنا في النمسا أو عندما كنت في سورية.

الدكتور علاء الدين الشحل، هذا هو اسمه، فقد لمست منه في أثناء زيارتي له في العيادة التي يعمل فيها ساعات طويلة، كل الود والاحترام والتقدير، وفي تعامله مع المرضى الآخرين، وأياً كانت جنسياتهم، ويوليهم أهمية بالغة، ويؤدي عمله بحب فائق، ويحاول استرضاء المرضى، والأهم تقديره لهم، فضلاً عن إتقان عمله بشكل لا يوصف، ويعرّف للمرضى الذين يراجعونه، في كيفية اختيار المعالجة التي يرغبون فيها للسنّ المصاب، وكنت من بين المرضى الذين قام بمعالجتهم، إذ عالج أحد أسناني المصابة، ما يُسمى القاطع الأمامي، وهو السن الموجود في الفك  العلوي وتقويمه بطريقة مثالية، مستخدماً بذلك، بالتعاون مع أحد أصدقائه الأطباء خبرتهما التي اكتسباها في معالجة السن الذي كان معرضاً للقلع لا محالة، ودون تأخير، إلّا أنه، وبخبرته التي اكتسبها، وروحه الطيبة، وعشقه لعمله، كل ذلك دفع الدكتور علاء الدين إلى معالجته، مستخدماً كل الطرق العلمية الحديثة التي تعلمها في معالجته والمحافظة عليه مهما كانت الظروف المصاحبة له، بدلاً من قلعه ورميه في الزبالة، وهذا ما يعني أنه سيكون له منظر مقزز بالنسبة إليّ وإلى كل من يعرفني، فهو يدرك أهمية السن ومكانته ونتائجه السلبية في حال إقدامه على قلعه، وهذا بالتأكيد لا يُحمّله أي مسؤولية قانونية أو أخلاقية حيال المريض، بل يكفي ضميره الحيّ، هو الذي كان يُحتم عليه التعامل مع المرضى برفق ولين، وخدمتهم الخدمة التي تليق بهم، وبعيداً عن أي محفّزات مادية لقاء عمله الذي يقوم به.

والصورة ذاتها حدثت أمامي مع مرضى آخرين، وكيف كان يؤدي عمله الطبّي معهم، بالحفاظ على أسنانهم، والتعامل معها، وكأنها تعود له شخصياً.

ضمير حيّ، وخبرة وتقنية لم أرها، ولم يسبق أن أخبرني عنها أحد، سواء هنا في النمسا، أو في أي مكان آخر. وكان مدعواً، كما أعلمني، إلى الانتقال للعمل في عيادة طبية غير تلك التي يعمل بها في الوقت الحالي لقاء أجور مالية جيدة، نتيجة الجهد المتألق الذي يبذله، والخبرة التي يمتلكها، وهذا ما يدفع أغلب المرضى الذين يراجعون العيادة الحالية التي يعمل فيها، بحجز دورهم عنده حصرياً، رغم وجود أطباء آخرين غيره!

ما يمكن أن نوجزه في هذه الأسطر، أن الأداء الجيد، والخبرة وتوصيف الحالة للمرضى بصورة جيدة، والتمكن من العمل الذي نقوم فيه، والعشق غير العادي الذي نوليه له، فضلاً عن التعامل الحسن، وبروح فائضة بالحب للناس وتقديرهم، فهذا ما يجنيه الطبيب الناجح من عمله، ما ينعكس بالتالي على أدائه، والنتيجة كسب ثقة المرضى، والحفاظ على أسمه كطبيب سيجني بلا شك، السمعة الحسنة، والدخل المالي الذي لا بد أنه يرضيه في النهاية.

دلالات