في صحبة حرامي الأنبوبة (2)

12 فبراير 2016
الصورة

الدستور لم تعد صحيفة بل تيارا سياسيا

....

وحكاية الجريمة العسكرية هذه كانت قد حدثت ذات أربعاء، قبل أشهر قليلة من زيارة المُحضَر المفاجئة التي وجدت نفسي فيها متهماً بإفشاء أسرار عسكرية، وأصل الحكاية كالتالي:

كانت صحيفة الدستور تنزل لدى باعة الصحف في القاهرة بدءاً من ليل الثلاثاء، في حين تباع في بقية المحافظات صباح الأربعاء. ولذلك، كان الأربعاء يوم الإجازة الأسبوعية للعاملين في الصحيفة، وكان خلو المقر تماماً فيه يشجعني على الذهاب إلى المقر لاستغلال هدوئه في إنجاز مهامي الأسبوعية، وعلى رأسها كتابة صفحة البريد التي كانت تحمل عنوان "صوتٌ عالٍ وصدى أعلى"، وكانت واحدة من أنجح صفحات "الدستور"، ثم البدء في كتابة تحقيق أو عرض كتاب أو الإعداد لحوار صحافي، لكي لا أُدفن كصحافي بفعل عملي المرهق كسكرتير للتحرير، فضلا عن قيامي كل أسبوع بأداء مهام ما يُعرف بـ(الديسك) أو إعادة الصياغة، والتي كان يشاركني فيها، بدءاً من مطلع العام الثاني في عمر الصحيفة، صديقي حمدي عبد الرحيم الذي كان يحرّر الصفحة الثقافية أيضا، وصديقي أكرم القصاص الذي كان يعمل وقتها بصحيفة العربي الناصرية، وكنا نتشارك في غرفة متناهية الصغر، استحقت عن جدارة لقب (الزنئور).

كنت أحتل المكتب الأكبر داخل (الزنئور)، باعتبار أن مهامي كانت أكبر، في حين حظي حمدي بواحد من أصغر المكاتب في تاريخ الأثاث البشري، وكان أكرم يضطر، في يومي عمله في الصحيفة، للجلوس على كنبة مجاورة لمكتبي، تحتل ما تبقى من فضاء (الزنئور)، مستندا إلى طرف المكتب، لينجز عمله، ومبدياً، من حين إلى آخر، ضيقه المبرّر من رائحة العرق الملتصقة بحشية الكنبة الإسفنجية الرخيصة. كنت قد حولت الكنبة إلى سرير في ليالٍ كثيرة، لتوفير أجرة التاكسي الذي لن أجد غيره في أنصاص الليالي، ليقلني إلى حيث كنت أسكن في الجيزة، قبل أن يفتحها الله عليّ، فأجد غرفةً في شقة مفروشة مشتركة، تواجه المبنى الذي تشغل "الدستور" إحدى شققه، لأنتقل إليها قبل أشهر قليلة من إغلاق "الدستور" نفسها، فأحرم حتى من رفاهية النوم على كنبة (الزنئور)، إن أنا فشلت في دفع إيجار الغرفة.

المهم، كنت، في أحد الأربعاءات، منهمكاً في فرز رسائل البريد التي كانت ترد إلى الصحيفة بالمئات كل أسبوع، من دون مبالغة، فلم نكن قد عرفنا بعد عصر الإيميلات والمنشنات والبوستات والإنبوكسات، وكان العاملون في الصحيفة يعلمون أن دخول (الزنئور) في ذلك الوقت أمر غير مستحب، لأنني كنت أقوم بفرش الرسائل بعد تصنيفها، على سطح المكتبين والكنبة وبلاط الزنئور، ليساعدني ذلك على اختيار ما يستوجب النشر السريع منها، وما يجب أن يذهب إلى أصحاب الشأن من الزملاء، وما يجب أن يذهب إلى سلة المهملات، التي لولاها لغصّت مقرات الصحف بما يرد إليها من رسائل، لأفاجأ خلال أداء تلك المهمة، بعامل البوفيه يفتح الباب بقوة، لتطير الرسائل المتراكمة على سطح المكتب الملاصق للباب متناثرةً في جنبات (الزنئور)، وقبل أن أصرخ في عامل البوفيه غاضباً، وجدته يصرخ بفزع من رأى الثعبان الأقرع لتوه: "إلحق يا أستاذ بلال.. الجيش دخل الجرنان"، ولأنني كنت أعلم علاقته الوطيدة بالبانجو الذي كان يفضّله على الحشيش، ليس فقط لأنه أرخص وفي متناول يده العاملة، بل لأنه أشد وطأة على النافوخ، فقد كان نصيبه مني شخرة اسكندرانية، اجتهدت في تجويدها، لعلها تفيقه من "سطلته"، وما إن بدأ ينصبّ من فمي سوط شتائم مشكلة عليه، وعلى الجيش والجرنان، حتى وجدته يقفز عابراً المكتب الصغير ليضع يده على فمي، وقد تحوّل صراخه إلى همس متحشرج، وصلني منه بوضوح عبارة تقول "ما توديش نفسك في داهية يا ريس.. أكسوم بالله زمبئولك كده.. الجيش دخل الجرنان".

...

"الجيش الذي دخل الجرنان"، لم يكن سوى قوة مكونة من ضابط شاب وثلاثة عساكر، وجدتهم حين خروجي لاستطلاع الأمر، يجلسون إلى جوار مكتب السكرتيرة الفارغ في مدخل المقر، منتظرين قدومي، أنا بالذات، كما قالوا لعامل البوفيه المذعور الذي حاول إبلاغهم أن رئيس التحرير لا يحضر في هذا اليوم، وأنهم يمكن أن يأتوا في الغد لمقابلته، فأخرج الضابط أوراقاً من ملف كان يمسكه، وقال له بحزم إنه لا يريد مقابلة رئيس التحرير، بل يريد مقابلة فلان الذي ينزل اسمه على رأس هذه الصفحة، مشيراً إلى صورة من صفحة البريد المنتزعة من العدد الذي صدر في ذلك اليوم.

قبل أن أخرج لملاقاة مصيري، كان عامل البوفيه قد انهار طالباً مني العفو والسماح، لأن المفاجأة لم تعطه فرصة لارتجال كذبة، مدعياً أنني غير موجود أو مسافر أو تركت العمل في الصحيفة، وطريقته في التعامل معي، كأنني ذاهب لتسليم نفسي إلى "السُّخرة في حفر الكنال"، زادتني توتراً وقلقاً، وحين أخذت أبحث عن حذائي في جنبات الزنئور المغطاة بالرسائل، كان توتري وقلقي يزيدان، بفعل أسئلة عامل البوفيه المتلاحقة عن موقفي من التجنيد، وعن طبيعة ما كتبته في صفحة البريد وأغضب الجيش إلى هذا الحد، وعمّا إذا كنت أعرف أحداً في الشرطة العسكرية، وعن إمكانية أن نتصل بالأستاذ عصام أو الأستاذ إبراهيم، ليشوفا حلا في ما أصبح يصفه بأنه مصيبة، قبل أن أعرف أصلا كُنهه.

ومع أن توتري بلغ أقصى ذراه، بمجرد أن رأيت الضابط وعساكره بملابسهم الميري في مدخل الصحيفة، وقد كان ذلك مشهداً غير مألوف بالمرة في ذلك الوقت، إلا أن أعصابي سرعان ما هدأت قليلا، حين وجدت الضابط يستقبلني بشكل ودود، لأفهم سر مودته بعد قليل، حين قال لي بعد أن جلسنا إنه يقرأ "الدستور" بانتظام، وأنه معجب كثيراً بردودي الساخرة على القراء في صفحة البريد التي يتابعها بشغف، فحمدت الله في سري وأثنيت عليه، وبدأت أستمع بهدوء شديد إلى الضابط الذي قال إنه ينتمي إلى وحدة عسكرية لها رقم ما نسيته الآن، لكنها ليست تابعة للشؤون المعنوية، بل لما يسمى بالاستطلاع الحربي، وأن وحدته تلك تقوم بعمل جرد لكل ما ينشر في الصحف عن القوات المسلحة، للتوقف عند ما يمكن تصنيفه بأنها أسرار عسكرية أو شؤون حربية، ليعود توتري ثانيةً، بفعل ما قاله، وأنا أحاول أن أجرد في داخلي سريعاً كل ما نشر في الصفحة، لأفهم علاقته بالأسرار العسكرية. وحين أخرج الضابط من الملف صفحة البريد، وجدت دائرة حمراء تحيط بشكوى صغيرة منشورة في ذيل الصفحة تقريبا، يشكو فيها مواطن في محافظة القليوبية من ضياع محفظته التي تحوي بطاقته الشخصية ورقمها كذا وبطاقته العسكرية ورقمها كذا، ليقول لي الضابط إن نشر رقم بطاقة عسكرية يعتبر مخالفاً للقانون، لأن أحدا يمكن أن يستغل ذلك الرقم في تزوير بطاقة عسكرية، واستخدامها في أعمال مخالفة للقانون، وأنه كان من واجبي أن أمتنع عن نشر بيانات عسكرية كهذه، لكي لا أقع تحت طائلة القانون.

....

كان يمكن لكلام مثل هذا أن يصيبني بإغماءة حادة من فرط التوتر، لولا أن ساق الله إليّ في

خلفية الكادر، وجه عامل البوفيه الذي كان يبكي بحرقة شديدة، وكأنه سمع للتو قراراً من المحكمة العسكرية بإعدامي، وحين رأى الضابط أن نظري مركّز على زاوية ما خلفه، التفت فرأى عامل البوفيه منخرطاً في البكاء، فضحك الضابط بشدة، لتزيد ضحكته من عبثية الموقف، ويشجعني ضحكه على طرح السؤال الذي كان يتراقص حولنا منذ بدأنا الحديث: "يعني سعادتك أنا مطلوب القبض عليّ دلوقتي.. وهل ينفع أتصل بمحامي الجرنان؟"، ليضحك الضابط مجدداً، ويقول لي مستغرباً من جهلي ببديهيات الحياة: "وهو لو كان مطلوب القبض عليك كنا هنقعد ناخد وندي كده؟.. ده كانت الشرطة العسكرية قامت بالواجب وزيادة من زمان"، وحين انطلقت مني ضحكة عصبية، كنت أخفي خلفها عدم فهمي موقفي من الإعراب، وهل أنا مقبل على فشخة مبينة أم لا؟ أخذ الضابط يشرح أنه ليس قادما للقبض عليّ، وإلا لحضر بصحبة الشرطة العسكرية، وأن مهمته لها علاقة بالحصول على أصل ورقة الشكوى المقدمة من المواطن، لاستكمال أوراق القضية، وحين سألته أي قضية يقصد، قال، بابتسامة هادئة كأنه يروي أملوحة، إن الشرطة العسكرية كانت قد قبضت، صباح اليوم، على الشاكي من مقر خدمته العسكرية، لمحاكمته لأنه أضاع بطاقته العسكرية، ثم نشر الواقعة في الصحف، بدلا من التوجه إلى قيادته المباشرة للإبلاغ عن الأمر. وحين رأى الضابط علامات الأسى مرتسمة على وجهي، لأنني تسببت في فشخ المواطن، وأنا أتصور أنني أسدي له خدمة، قال لي، بحبور غير مبرّر، إن الأمر بسيط، وفيه شهر سجن مثلا، وست شهور تأديب مثلاً، أو سنة بالكثير، و"إن ده العادي يعني في الجيش"، وقبل أن يعطيني فرصة لمزيد من الاندهاش، طلب مني أن أسرع في إحضار نص الشكوى، لأنه لا بد أن يعود إلى مقر وحدته، موصيا إياي قبل رحيله مباشرة، بالحذر في المستقبل، حين أنشر أي رسائل أو موضوعات لها علاقة بالجيش. وبالطبع، كان لا بد أن يضفي عامل البوفيه لمسته في ختام المشهد، حيث قام بأداء التحية العسكرية للضابط والجنود، حال خروجهم من المقر، قبل أن يطير مرتمياً في حضني، وهو يهمس بعبارات مثل: "كفارة يا برنس.. كنت هتروح في أبو نكلة وتفشخنا معاك.. لازم تدبح حاجة بأربع رجلين.. اكرمنا زي ما ربنا كرمك".

....

كرّ شريط هذه الأحداث أمامي، بمجرد أن قال لي المُحضَر ضاحكا بين شفطتين من كوب شايه: "وهو لو الجيش كان اللي مبلغ فيكو يا أستاذ.. كنت أنا برضه اللي جيت.. ده كان زمان الشرطة العسكرية مشمعة لكو المقر وساحلاكو كلكو على س 28"، ومع أنني كنت أسمع لأول مرة لفظة "س 28" التي أصبح مصريون كثيرون يعرفون، بعد الثورة، أنها مقر النيابات العسكرية، لكثرة ما تردد اسمها في فواجع المحاكمات العسكرية للمدنيين، إلا أنني لم أسأل المُحضَر عن معنى ذلك الاسم الغريب الذي لفظه، والذي ذكّرني بدروس الكيمياء القديمة، فقد كنت حريصا على زحلقته، بعد أن ثبت انعدام جدواه في تقديم أي معلومات إضافية.

اتكل المحضر على الله، فرحا بإكمال مهمته، بدون أن يضيع عليه الماتش، في حين سارعت بالتوجه إلى مركز للكمبيوتر، على بعد عمارات من مقر الصحيفة، حيث كان يوجد رئيس التحرير الأستاذ إبراهيم عيسى، ليشرف على تنفيذ عدد جديد من "الدستور"، كان قد اتفق مع عصام إسماعيل فهمي على إصداره، تحديا لقرار الدولة بإغلاق الصحيفة، وكان يفترض بذلك أن يتم من خلال حيلة قانونية بسيطة، قام عصام فهمي بفعلها، حين اشترى ترخيص صحيفة حزبية، من أحد الأحزاب الكرتونية التي لم أعد أذكر اسمها الآن، فقد كان القانون يتيح للأحزاب السياسية إصدار الصحف، من دون أخذ إذن مسبق من المجلس الأعلى للصحافة، ولم تكن الدولة تشعر بقلق من إساءة استخدام الحزب هذا الحق، فقد كانت الدولة، من خلال أجهزتها الأمنية العتيدة، هي الجهة التي تقوم بالموافقة على تأسيس الأحزاب السياسية، ما كان يجعل الساحة السياسية قاصرة على "الأحزاب برخصة"، وحتى هذه بدورها كان يتم تفخيخها من الداخل بأجسام مضادة للأحزاب، تؤدي إلى انقسام الحزب إلى أربع أو خمس جبهات، لو فكّر قادته أن يقوموا بما هو أبعد من دور المعارضة الكرتونية، والتي تساهم في تكريس انطباع شعبي عام، بأنه لا يوجد في البلاد بأسرها أحد كفء وجاد وحريص على مصلحة مصر سوى الرئيس القائد المفدى ورجاله وحزبه.

كان أمن الدولة الذي يقوم بعمل رقابة صارمة على الأحزاب وصحفها، يغض النظر عن

عمليات المتاجرة بتراخيص الصحف الحزبية، مقابل حصول ضباطه الكبار على نسبة من عمليات البيع (ولنا في ذلك حديث آخر) وكان عصام إسماعيل فهمي وإبراهيم عيسى يظنان أن عملية شراء الترخيص الجديد ستفلت من الرقابة الأمنية هذه المرة، بسبب انشغال الأجهزة الأمنية بتداعيات حادث الأقصر الإرهابي، خصوصاً بعد أن تم تصعيد رئيس جهاز أمن الدولة، حبيب العادلي، ليصبح وزيرا للداخلية، بعد إقالة اللواء حسن الألفي، وإطاحة رجاله. بالمناسبة كانت "الدستور"، قبل إغلاقها بأسابيع، قد نشرت، ضمن سلسلة هجومها على وزارة الداخلية، تحقيقاً صحافياً عن أسرار الصراع بين وزير الداخلية ورئيس جهاز أمن الدولة، من باب الكيد في وزير الداخلية ورجله القوي، رؤوف المناوي، وكان عصام إسماعيل فهمي سعيداً للغاية بما نُشر، لأنه، على حد قوله، سيساعد الصحيفة ضد حملات الداخلية الشرسة المطالبة بإغلاقها، فربما رفع جهاز أمن الدولة تقريراً يوصي بعدم إغلاقها، ليعضد ذلك من فرملة صفوت الشريف محاولات إغلاق الصحيفة، وهو ما تحدثنا عنه أمس.

ومن المثير أيضاً أن إدارة الصحيفة كان قد أصبح لديها، بعد اتساع انتشارها وتأثيرها، صديق قوي آخر ينتمي إلى الدائرة المحيطة بحسني مبارك، هو فاروق حسني وزير الثقافة، الذي كان أصلا يرتبط بصداقة وثيقة مع إبراهيم عيسى، منذ لمع كاتباً في مجلة "روز اليوسف" من خلال مقالاته المناهضة لتيارات الشعارات الإسلامية. وعلى الرغم من أن صفوت الشريف وفاروق حسني كانا، في ذلك الوقت، في حالة عداء معلن، يعرفها كل المطلعين على كواليس السياسة في مصر، إلا أن فاروق حسني كان حريصاً على أن يوثق علاقته بصحيفة الدستور، من دون أن يطلب منها بشكل مباشر دعمه، أو كف انتقادها وزارته، بل وكان يخبر إبراهيم عيسى بكثير من تفاصيل الحملات الأمنية التي كانت تحرّض حسني مبارك على (الدستور)، مؤكداً أنه كان يقول كلاماً طيبا للريس والهانم بحق (الدستور)، وأهمية وجودها صوتاً معارضاً وطنياً، وهو ما جعل إبراهيم عيسى يقرّر فجأة، في إحدى المرات، أن يفرد صفحة كاملة لمدح أعمال فاروق حسني الفنية، كتبها صحافي كان يعمل في الأهرام المسائي، اسمه محمد عبد الواحد، (سيصير في ما بعد مستشارا لوزارة الثقافة، وستجمعني معه تجربة صحافية أخرى بعد سنين، سأكتب عنها لاحقاً) لكن إبراهيم عيسى، في المقابل، كان ذكيا، فقد نشر تلك الصفحة بعيداً عن صفحة الثقافة التي لم يقم أيضا بفرملة هجومها على مؤسسات وزارة الثقافة، في الوقت الذي كان يعلن فيه إعجابه بفاروق حسني، وصداقته له، قبل أن ينقلب عليه ثانية بعد إغلاق (الدستور)، وبالتحديد في ثنايا روايته "مقتل الرجل الكبير"، قبل أن تعود صداقتهما وثيقة بعد ذلك، وتستمر حتى الآن.

....

كان عصام إسماعيل فهمي وإبراهيم عيسى يظنان أن حبيب العادلي، المثقل بمهامه الجسيمة، سيغض النظر عن صفقة شراء عصام فهمي ترخيص الصحيفة الحزبية، كانا يظنان أيضاً أن ما حدث للصحيفة من إغلاق صارم لم يترك فرصة للمراجعة أو الاعتذار عن خطأ نشر بيان الجماعات الإرهابية الذي اتضح أنه مفبرك، كان مجرد غضبة مؤقتة سببها التوتر العام في البلاد بسبب حادثة الأقصر، (كان للملياردير نجيب ساويرس، في هذا الوقت، دور غريب ساهم في تأجيج الغضب ضد الصحيفة، برغم كونه واحداً من أبرز داعميها، ولنا في ذلك حديث آخر)، كانا يظنان أيضا أن عودة (الدستور) من خلال الترخيص الحزبي يمكن أن تساعد في تحققها عوامل كثيرة، من أهمها وجود سند جماهيري للصحيفة، لن يتوقف عن وجود اسم جديد على ترويستها إلى جوار اسم الدستور، لأنه سيشتري أي صحيفة عليها اسم إبراهيم عيسى، لأن (الدستور) لم تعد مجرد صحيفة، بل صارت تياراً سياسياً، كما قال إبراهيم الذي قال لي، بعد ذلك بثلاثة أسابيع، إنه مستغرب لماذا لم تخرج أي مظاهرات من جمهور الصحيفة المحب تحتج على إغلاق صحيفته المفضّلة. لكن الرهان على الجمهور لم يكن السبب الوحيد للإقدام على خطوة كهذه، فقد كان هناك رهان أكثر من اللازم، كما ثبت في ما بعد، على علاقة عصام إسماعيل فهمي الطيبة بصفوت الشريف، وعلاقة إبراهيم عيسى الطيبة بفاروق حسني، المقرّب من الهانم، وبعض العلاقات الطيبة التي كان عصام إسماعيل فهمي وإبراهيم عيسى قد كوّناها، بحكم العمل الصحافي، مع بعض رجال الدولة، وفي مقدمتهم زكريا عزمي، رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، وهي العلاقة التي استمرت سنوات طويلة، لكنها لم تخرج إلى النور، إلا حين تناقلت صفحات الإنترنت باستغراب شديد في مايو/ أيار 2010، الصور الودودة التي جمعت بين زكريا عزمي وعصام فهمي وإبراهيم عيسى، في حفل زفاف أحمد، نجل عصام فهمي. وقد كان ذلك النوع من العلاقات الشخصية جزءاً من التركيبة السياسية لعهد مبارك، الذي كان يحرص فيه رجال دولته على إبقاء شعرة مع كل رموز المعارضة، من أجل لملمة المسائل في لحظات الأزمات، وهو ما لم يدرك أهميته جمال مبارك، بعد أن تمكّن، هو ورجاله، من إطاحة رجال أبيه القدامى.

كان يمكن لكل تلك العلاقات التي كوّنها عصام فهمي وإبراهيم عيسى برجال الدولة، وببعض أجهزتها، أن تكون مجدية، لكنهما تحت وطأة الحماس المستند إلى نشوة النجاح الجماهيري التي دامت عامين وثلاثة أشهر، قرّرا أن يلعبا مع أجهزة الدولة لعبة الأمر الواقع، بحيث تنزل الصحيفة فجأة إلى الأسواق، بعد طبعها في مطابع (الأهرام) التي كان عصام إسماعيل فهمي قد كوّن، مع الوقت، علاقات وطيدة مع مسؤوليها، والذين كسبوا لمؤسستهم أيضاً الكثير من طبع وتوزيع الصحيفة الأكثر مبيعاً في مصر، ولم يكن ممكناً أن يبقى ذلك التحدي سراً، وحين وصلت أنباؤه إلى الرئاسة تضاعف غضبها، وحين تغضب منك رئاسة الجمهورية، لا يرد عليك الأصدقاء من رجالها، بعد أول جرس كما كانوا يفعلون، بل يطول انتظارك، وتزيد خيبة أملك، ويزيد انفعالك، وتتملكك رغبة هدم المعبد على رؤوس الجميع، وتتلبّسك حالةٌ نضاليةٌ لم تكن يوما أهلا لها، وذلك كله يبدأ في اللحظة المريرة التي تدرك فيها أنك لم تكن صديقاً حقيقياً لأحد، بل كنت صديقاً مرحليا، فقط لأنك تمتلك صحيفة مؤثرة، وحين لم تعد تمتلكها، أصبحت مجرد رقم على "إنديكس" التليفون، لا يلتفت إليه أحد.

....

في مقر التجهيز الذي كان قد بدأ العمل فيه قبل فترة وجيزة، وفي ظل سعي جميع من في المقر لإنجاز العمل، قبل أن يحل ليلاً موعد ماتش نهائي كأس الأمم الأفريقية، أخبرت الأستاذ إبراهيم عيسى بموضوع الاستدعاء العاجل لي بتهمة إفشاء أسرار عسكرية، فانطلقت منه ضحكة مجلجلة، وأشار إلى بروفة الصفحة الأولى للعدد المرتقب، والتي قرّر أن ينشر فيها فوق ترويسة الصحيفة، قصيدة عمنا أحمد فؤاد نجم الشهيرة "كلمتين لمصر"، مُفرِداً على ثمانية أعمدة بعرض الصفحة الأولى عبارة "حد ضامن يمشي آمن أو مآمن يمشي فين"، لا زلت حتى الآن أحتفظ بقطعة الفيلم المعدة للطباعة، والتي تحوي تلك القصيدة الخالدة التي لا زالت للأسف من ثوابت الحياة في مصر.

كان إبراهيم عيسى، في ذلك الوقت، يعاني نفسياً من استفحال مرض السيدة والدته التي كانت مهددة للأسف ببتر قدمها، كجزء من آثار علاج خاطئ تورّط فيه طبيب شهير، وبدا لي أن ذلك الوقت لن يكون مناسباً للحصول منه على الكثير من التضامن في مصيبة الاستدعاء، فلديه من المصائب ما يكفيه. وفي ضوء ذلك، قرأت ضحكاته العالية التي كانت تنبئ عن شحنةٍ عاطفيةٍ يمتلئ بها صدره، قبل أن يتضح أن ضحكاته الملفتة كان لها علاقة بمصائب جديدة، لا تخصني بل تعم كثيرا من زملائي، وأن استدعائي للنيابة لم يكن أمراً فردياً يخصني، بل كان جزءاً من حملة قضائية، قرّرت الدولة أن تشنها على (الدستور) وصحافييها، بعد قرار الإغلاق مباشرة، حيث تم تحريك بلاغات عديدة في نيابات مختلفة، كان بعضها موضوعاً في الأدراج، وهو ما فسر لي لماذا تأخر تقديم البلاغ، بعد مرور فترة على نشر موضوع قتل المشير أحمد بدوي، وحين علت ضحكة أخرى من إبراهيم عيسى، توقعت أن تكون هناك مصيبة أخرى قادمة في الطريق، وهو ما حدث بالفعل.

وللحديث بقية بإذن الله.