في شعارات المترشحين لرئاسة تونس

14 سبتمبر 2019
الصورة

لافتتان لمرشحيْن لانتخابات الرئاسة في العاصمة تونس (7/9/2019/فرانس برس)

+ الخط -
بالتزامن مع انطلاق الحملة الانتخابية للتسابق على رئاسة الجمهورية التونسية، جدّ المتنافسون على الفوز بكرسيّ قصر قرطاج في تأثيث المشهد الإشهاري لخطابهم الانتخابي، ووظفوا أشكالا تواصلية مختلفة في الوصول إلى النّاس، من قبيل استخدام الصفحات الرقمية، واللافتات الإشهارية، والومضات الإعلانية، والملصقات الحائطية. واللافت أنّ كلّ مترشح ركّز، في تلك التجلّيات التعبيرية، على إبراز شعار حملته الانتخابية، لأنّ الشعار يختزل الهوية البرامجية للمترشح، وهو العلامة اللغوية والأيقونة الفنّية الدّالة عليه، والمخبرة بخلفياته، وأبرز أولوياته. وليكون الشعار الانتخابي جذّابا، يُفترض أن يكون مميّزا، مفهوما، موجزا، موحيا، بليغا، محفّزا الخيال، باعثا الأمل، سهل التداول، جامعا بين جميل العبارة وكثافة الدلالة حتى يشنّف الآذان، ويشدّ الأبصار، ويجد في النفوس موقعا حسنا. والملاحظ في شعارات المترشحين للرئاسة أنّها تتباين من جهة إخراجها اللغوي، ومحمولها الدلالي، ومدى استحضارها معايير مقبولية الشعار الانتخابي. 
افتتح المرشّح منجي الرّحوي حملته الانتخابية بشعار: "نعم.. نغيّر"، شعار واعد، موجز، تأسّس على تأكيد مطلب التغيير، وهو فعلٌ مطلق، يشير إلى انخراط المترشح في سياق المطالبات الشعبية بالتغيير والتطوير في مجالات مختلفة. ومع أهمّية الوعد بالتغيير، فإنّ شمولية ذلك الفعل تبقى نسبيةً بالنظر إلى محدودية صلاحيات رئيس الجمهورية بحسب الدستور. ويُخبِر شعار مرشّح حركة الوطن الجديد سليم الرياحي، "بالحق نبدلوها"، بادّعاء الرجل القدرة على إحداث التغيير الحقيقي في واقع النّاس، ويُضمر اتهام آخرين بترويج تغيير وهمي أو مزيّف. وعلى الرغم من ورود الشعار مختصرا، وبلهجة تونسية مفهومة، يبدو من الصعب على معظم الناخبين تصديقه، لأنّ الرّياحي سبق أن انتمى إلى منظومة الحكم بعد 
الثورة ولم يُغيّر شيئا. كما أنّه يُدير حملته الانتخابية من منفىً اختياري، خارج البلاد، بسبب ما يحوم حوله من شبهاتٍ تتعلّق بالفساد المالي والتهرّب الضريبي، وهو ما يقلّل من صِدقية خطابه الانتخابي وتأثيره في التونسيين. أمّا مرشح التيار الديمقراطي، محمد عبّو، فَوَصل في شعار حملته "دولة قوية وعادلة" بين صفتي القوّة والعدالة في الدولة المنشودة. ومع أنّ الصياغة الفنّية للشعار تبدو مألوفة، فإنّها تستجيب لتطلّعات تونسيين ميّالين إلى ترسيخ مفهومي هيبة الدولة وسيادتها، وتكريس علوية القانون وإعمال العدالة في توزيع الفُرص والثروة، بديلا عن المحسوبية والمحاباة وثقافة الإفلات من العقاب. وفي المجال الدلالي نفسه، رفع مرشح حركة "تحيا تونس"، يوسف الشاهد، شعار "تونس أقوى" الذي انبنى على إبراز الانشغال بتونس، والطموح إلى النهوض بها، وتعزيز قوّتها، واعتمد صيغة التفضيل للتعبير عن وعدٍ بتحسين الأداء التونسي، وتقويته في مجالات عدّة، وهو طموحٌ مشروع تبقى درجة التفاعل معه رهينة مواقف الناخبين من الأداء الحكومي للشاهد ثلاث سنوات خلت.
ورفعت عبير موسي (الحزب الحرّ الدستوري)، شعار "ديمقراطية مسؤولة.. حريات مضمونة"، شعار يتعارض مع الإرث التاريخي لهذا الحزب، المعروف عند معظم التونسيين بتوجّهاته الأحادية والإقصائية، ويتعارض مع سيرة المرشحة التي صرّحت بعدم اعترافها بالدستور ومخرجات الثورة، ومنجزات الحالة الديمقراطية التعدّدية، ورغبتها في إقصاء حزبٍ معيّن على خلفية مرجعيته الأيديولوجية. ويبدو تبنّيها المفاجئ فكرة الديمقراطية والحريات فعلا ظرفيّا، نفعيّا، دفاعيّا، تروم منه كسب بعض الأصوات، وردّ شبهة حنينها إلى الدكتاتورية وبعث رسالة طمأنة إلى النّاس، متأخّرة لا محالة. ويُشابه شعار سلمى اللومي "نصنع الأمل" (حزب أمل تونس)، شعار عبيد البريكي "غدوة خير" (حركة تونس إلى الأمام)، من جهة أنّ كِلَيْهما يستثمران في الجانب السيكولوجي للناخبين، ويحاولان إخراج فئات معتبرة من المهمّشين والمحبطين من حيّز اليأس إلى رحاب الأمل والتفاؤل بغد أفضل.
وغير بعيد عن هذا الأفق السيميولوجي، ركّز منصف المرزوقي في شعار "المستقبل يجمعنا" (حركة تونس الإرادة)، ومهدي جمعة في شعار "مستقبل تونس" (حزب البديل التونسي)، على استشراف المستقبل، والتأهّب للفعل فيه، وتجاوز عثرات الماضي والحاضر، وتلك رسائل إيجابية. لكن معلوم أنّ "من حقنا أن نحلم. ولكن ليس من حقّنا أن نجعل الواقع وهما"، كما حدّث لينين. واختار نبيل القروي شعار "في قلب تونس" لترويج برنامجه الانتخابي، والشعار مشتق من اسم الحزب (قلب تونس)، ويحمل شحنةً عاطفيةً، لأنّه يُخاطب وجدان المواطنين، ويدغدغ مشاعرهم، ويُخبر بأنّ المترشّح قريب منهم. لكن احتجاز الرجل، على خلفية اتهامه بتبييض الأموال والتهرّب الضريبي، أثّر على سيرورة خطابه الشعبوي، وباعد بينه وبين النّاس. وفي المقابل، اختار لطفي المرايحي (الاتحاد الجمهوري)، شعار "صوت العقل". وهو موجز، سهل التداول، يكتسب جاذبيته من ادّعاء المترشح مُجافاة الانفعال والاحتكام إلى العقل، بما يستدعيه من رصانة، وحكمة، وبعد نظر في مقاربة الواقع العمراني التونسي بتعقيداته المختلفة. ولكن بالنّظر إلى محدوديّة التجربة السياسية للرّجل، يبقى قياس درجة التزامه بالعقلانية رهين أدائه في الحملة الانتخابية، ومدى اقتناع الناخبين بمنطقيّة تصوّراته.
واعتمد المرشّح المستقل حمّادي الجبالي شعارا راوح فيه بين العربيّة والعامّية "هيّا.. تونس تِسْتَنّى" (تنتظر)، وفيه رسالة استعجالية، تستنهض الهمم، وتطلب الإسراع لنجدة تونس. والشعار ذكيّ، قُدّ بلغةٍ مخصوصة، قريبة المأخذ، تُعلي من قيمة تونس، وتخاطب العقل 
والوجدان في آن، وتستحث الناخبين على العمل معا لأجلها، فالسعي الجمعي هنا يُبذل لأجل تونس. وحلاوة الشعار لا تمنع ناخبين من نقد الأداء الحكومي للجبالي سابقا، والتشكيك في مدى قدرته على إدارة مؤسسة الرئاسة. واصطفى مرشحان فقط كلمة واحدة في صياغة الشعار الانتخابي تحقيقا للمجهود الأدنى في التعبير، وعملا بسياسة الاقتصاد اللغوي، على حدّ تعبير أندريه مارتيني. يتعلّق الأمر بإلياس فخفاخ (التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحرّيات)، وشعاره "واثقين" دالّ على ثقته في مناصريه، ورغبته في استعادة الثقة بين الحاكم والمحكوم. واستخدم سعيد العايدي (حزب بني وطني)، شعار "لنجرؤ"، تحفيزا على التحلّي بالجرأة، لحلّ المشكلات العالقة، وفتح الملفّات المخفيّة أو الممنوعة. جرأة لم يتماد فيها الرّجل كثيرا عند تولّيه وزارة الصحّة. وفي استعمال الصافي سعيد (حركة الشعب)، شعار "نحن .. هنا" تشَبُّث بالأرض والوطن، ونقْدُ ضمني للمترشحين للرئاسة من ذوي الجنسية المزدوجة.
ويمرّر الرسالة نفسها شعار "الوفاء لتونس الوفاء للوطن" لعبد الكريم الزبيدي (مرشح حركة آفاق ونداء تونس). ويشدّ شعار حملة محسن مرزوق (حركة مشروع تونس)، "نَحميها ونْعلّيها" الانتباه إلى رنّته الإيقاعية (التماثل الصوتي)، ولشحنته التعبيرية المفعمة بالوعد والتخييل، وعد بحماية تونس وإعلاء مكانتها بين الأمم، وينسجم ذلك مع أبرز مهام الرئيس بحسب الدستور. شعار أخرج مرزوق نسبيّا من بوتقة المأثور عنه في الاستقطاب والتنافي، ليُبرزه في صورة جديدة. وتفرّد كلّ من عمر منصور (مستقل)، وحمّة الهمّامي (الجبهة الشعبية)، بذكر اسميهما في بنية الشعار الانتخابي. فقال الأوّل "عمر بالشعب منصور"، وفي ذلك إبراز للأنا وتصدير للشعب في وسط الجملة، تعبيرا عن كونه سند المترشح ومحور العمليّة الانتخابية. وقال الثاني: "يلزمها حمّة"، وفي ذلك اعتزاز بالذات، وإخبار بأنّ تونس تحتاج حمّة دون غيره لقيادتها. وينهل الشعار من المثل التونسي "يلزمها راجل". وعلى الرغم من طرافة الشعار وطابعه التراثي، فإنّه لا يخلو من نزعةٍ جندريةٍ واضحة، ومبالغة ظاهرة في الاحتفال بالأنا.
وأسّس الهاشمي الحامدي (تيّار المحبّة)، شعاره "أنا ضدّ السيستام (النظام) ومع الإسلام 
والعدل والتأميم" على مضادّة النظام القائم، ودغدغة الشعور الديني، وإثارة مطلب التأميم، وهو خطابٌ قد يستقطب بعضهم، ولكن ينفر منه آخرون، يعتبرونه عامّا، ضبابيّا، وشعبويّا، يُوظّف الدين والهوية في معركةٍ سياسية. وتبنّى قيس سعيّد (مستقل)، شعار الثورة "الشعب يُريد"، تأكيدا على ضرورة استمرار المسار الثوري التغييري. ورفع سيف الدين مخلوف (ائتلاف الكرامة)، شعار "كرامتك أوّلا" إعلاءً لكرامة المواطن الذي عانى طويلا ويلات التهميش والقمع، وانتهاكات الدولة البوليسية، وتجاوزات الإدارة البيروقراطية. والشعار يستجيب لتطلّعات الناخب إلى دولة مواطنية تضمن كرامته. ووجّه عبد الفتّاح مورو (حركة النهضة)، خطابه مباشرة إلى الناخب "انتخب الأقدر لتونس أفضل"، فوَصَل سَببيّا بين معيار الكفاءة العالية وضمان الرُقي بتونس. واستخدم صيغة التفضيل الدّالة على استغراق الكلّ (الأقدر) تعبيرا عن جدارته بتولّي الرّئاسة، لما يراه فيه أنصاره من خبرةٍ وكاريزما، وقدرة على التواصل والإقناع وضمان التوافق. وبدت شعاراتٌ أخرى عادية غير مثيرة، على الرغم مما تحمله من رسائل إيجابية، لميلها إلى ترديد عبارات مستهلكة، من قبيل شعارات مترشّحين مستقلّين، كمحمد الصغير النوري "السياسة الناجعة هي اللي تخدم البلاد"، وناجي جلول "قوة الإرادة"، وحاتم بولبيار "تونس تنجح"، فهذه الشعارات على أهمّيتها تفتقر للبعد التخييلي والإيقاع الموسيقي والكثافة الدلالية.
ختاما، الشعار الانتخابي قوّة تعبيرية فارقة، ومكوّن مهمّ من مكوّنات مَسْرحة الخطاب السياسي. تباين المترشحون للرّئاسة في إخراجه فنّيا ودلاليا. وأخبر ذلك بازدهار ثقافة الاختلاف والدمقرطة في السياق التونسي.