في سفينة جبرا

12 ديسمبر 2014
الصورة
+ الخط -
أظن أن المقدمة التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق صايغ للطبعة الثانية من مجموعة جبرا إبراهيم جبرا "عرق وقصص أخرى" التي صدرت عام 1974 عن "اتحاد الكتاب العرب" في سوريا، مسؤولة إلى حد بعيد عن القراءات التالية في أعماله.

ففي رأيه أن البطل في قصص جبرا "هو أبداً هو، وإن سُمّي أسماء مختلفة وتبدلت الأدوار التي أُعطيها بين قصة وأخرى"، ما يوحي أن هذا البطل في القصة ليس سوى جبرا نفسه.

وهكذا، سرعان ما تلقف النقد، الذي كان مولعاً في تلك السنوات بالمطابقة بين الكاتب وشخصياته، التحليل الذي تقدم به صايغ، فأدخل جبرا عنوة في خطاب شخصياته، أي شخصية المثقف المتردد الخائف من المدينة، والراغب في التملّص من مشاغل الحياة في مجتمعات كانت تدّعي آنئذ أنها في سبيلها لبناء أسس التقدم الاجتماعي. كما تم نفيه من جنة الأدب الواقعي استناداً إلى قول صايغ بأن قصصه "لا تقوم على الحادث أو الشخص أو الحوار بقدر ما تقوم على الرموز والإيحاءات". فقيل إن أعمال جبرا تميل إلى مناقشة القضايا الفكرية العامة التي لا تهم سواد الشعب المشغول بهموم الحياة. 

والظاهر أن الروائي لاحظ الأمر بعين السخط؛ لم يقل ذلك صراحة، وإنما حاول أن يبرئ ذاته من شبهة التطابق مع الشخصية الروائية، فكتب في مقدمة روايته "صيادون في شارع ضيق" أن "المؤلف يرغب أن يؤكد أن هذه القصة.. ليست بأي شكل من الأشكال قصة حياته ببغداد". وبعكس ما قال فلوبير ذات يوم: "مدام بوفاري هي أنا"، أراد جبرا أن يقول: جميل فران ليس أنا. ثم أضاف ثانية في مقدمة روايته "السفينة": "الشخصيات والأسماء في هذه الرواية من خلق الخيال وإذا وجد أي شبه بينها وبين أناس حقيقيين أو أسمائهم فلن يكون ذلك إلا من محض الصدفة".

هذا صحيح تماماً، مع أني قد أميل إلى القول بأن جبرا كان يراوغ النقد والقراء معاً. فوليد مسعود مثلاً في روايته "البحث عن وليد مسعود" كاتب ومثقف ومسيحي وفلسطيني هاجر إلى بغداد في العام 1948، وهي أحوال مطابقة لحال جبرا. وجميل فران في "صيادون" غادر بيت لحم إلى بغداد لشغل منصب تعليمي، مثلما فعل جبرا أيضاً.

ويمكن إيجاد الكثير من نقاط التقارب بين شخصية عصام السلمان، أو وديع عساف، في رواية "السفينة"، وبين جبرا. علماً أنه كان يعرف جيداً، وهو المعلم في النقد أيضاً، أن نقاط التشابه ليست سوى أعراض عابرة، إذ أن المخيلة الروائية تعيد خلق الشخصيات، حتى لو كانت مستمدة من تجارب شخصية، بحيث تشكل كل واحدة منها، بسماتها الخاصة، إضافة نوعية إلى سلك البشر والشخصيات الروائية، وهي السمات التي تبقى حية في مخيلة القارئ الذي تعرّف إلى وليد مسعود وجميل فران وغيرهما من شخصيات جبرا كما لو كانوا من حيّه أو من جيرانه.

المبهج في صلاتنا بجبرا أن هذا الاتجاه لم يستطع التأثير في مجرى استقباله، فما أن يقرأ المرء رواياته (أو أيا من أعماله النقدية أو ترجماته) حتى يمكن أن يقول بكل يقين: جميل فران هو أنا.

المساهمون