في رضى اليمين الإسرائيلي عن ترامب

16 سبتمبر 2020
الصورة

ربما يجدر على أعتاب انتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل أن نستعيد بعض الرهانات التي وضعها اليمين في إسرائيل على انتخاب دونالد ترامب قبل نحو أربع سنوات، وتوازت، في حينه، مع فرحة عارمة، سرعان ما تبيّن أنها كانت مُبرّرة وليست متعجلة، ويظهر الآن أن حصيلتها كانت بالحدّ الأقصى.

انطلقت هذه الرهانات بالأساس من ترسيخ اليمين الإسرائيلي الحاكم سردية متكاملة ضد إدارة الرئيس الأميركي الديمقراطي السابق، باراك أوباما، خلال سنوات حكمه الثماني، اعتبرت أن تلك الإدارة معادية للمصالح الإسرائيلية عموما، وبشكل رئيسي في موضوع الاتفاق النووي مع إيران، ولمصالح اليمين خصوصا، سيما في موضوع البناء في مستوطنات الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، ومعادية في كل ما يتعلّق بفكرة "الإرهاب الإسلامي"، وهي مقاربةٌ ركّز عليها هذا اليمين وزعيمه بنيامين نتنياهو في السنوات الأخيرة في نقده أوباما، جرّاء رفض الأخير إطلاق تلك الصفة على عمليات إرهابية وقعت في أوروبا وأميركا. 

وبغض النظر عن حقيقة عمق الاختلاف بين أوباما والرؤساء السابقين له من ديمقراطيين وجمهوريين، وصدقية الادعاءات اليمينية، يمكن القول إن اليمين الإسرائيلي أنتج حيال أوباما، على وجه التحديد، سرديةً أظهرته في موقف المعادي للمصالح الإسرائيلية. لذا بدا متحمسا لفوز ترامب، بيد أنه لم يُظهر فرحته إلا بعد انتخابه، ما عدا صحيفة "يسرائيل هيوم" اليمينية التي كانت داعمةً هذا الفوز، وهي صحيفة بلاط لنتنياهو ومموّلة من رجل الأعمال اليهودي، شلدون إدلسون، الذي أعلن تأييده ترامب.

لم يكن خافيا أن توترا ساد العلاقات بين نتنياهو وأوباما خلال سنوات حكم الأخير، حيث انتخب الرجلان في الفترة نفسها تقريبا (أوباما عام 2008 ونتنياهو عام 2009)، واضطرا إلى العمل معا، ولم يخفيا التوتر في المواقف بينهما. وفرض أوباما على نتنياهو قبول "حل الدولتين" للصراع مع الفلسطينيين، وإن على مستوى التصريحات، وساهم في تعطيل مخططات استيطان كولونيالية في الضفة الغربية، وكان معارضا لنهج نتنياهو بالنسبة إلى الملف النووي الإيراني، ولرؤيته إلى أزمة الشرق الأوسط، وغيرها من قضايا ومسلكياتٍ عبرت عن التوتر بين الرجلين في المنهج والتصرّف إزاء قضايا مختلفة، غير أن أوباما لم يقلّل، في الوقت ذاته، من تعهده بحماية أمن إسرائيل والتزامه بتفوّقها. وفي هذا الشأن تحديدًا، أشير أكثر من مرة إلى أن صفقة المساعدات الأميركية لإسرائيل التي أقرّت في أثناء ولاية أوباما كانت الأفضل والأكثر سخاءً. وفي إحدى هذه المرات، اعترف الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي، يحزقيل درور، قبل عدة أشهر، بأن هذه الصفقة على المدى البعيد أهم بكثير من الخطوات التي أقدم عليها ترامب، والتي نعتها بأنها ذات دلالة رمزية، على غرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، والإقرار بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، وإعلان وزير خارجيته، مايك بومبيو، أن المستوطنات في الأراضي المحتلة منذ 1967 قانونية، ولا تنتهك القانون الدولي.

غير أن تحولات طرأت في اليمينين، الإسرائيلي والأميركي، جعلت الأول ينظر إلى الحزب الجمهوري كأنه امتداد لليمين في دولة الاحتلال، وإلى الحزب الديمقراطي كأنه امتداد لـ"اليسار" فيها. وهذا جعله واثقا من أنه ستكون لسياسة ترامب انعكاسات إيجابية على مصالح اليمين في إسرائيل، وعلى أيديولوجيته، متجاهلًا أن رؤساء جمهوريين سابقين لم يحيدوا عن الإطار العام للسياسة الأميركية الخارجية في موضوع المستوطنات وحل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. 

يُشار إلى أن نتنياهو لم يعمل قبل ترامب أمام رئيس أميركي جمهوري، ففي فترة ولايته الأولى (1996- 1999) عمل أمام الرئيس الديمقراطي، بيل كلينتون. ومنذ الولاية الثانية عام 2009 حتى نهاية 2016، عمل أمام الرئيس الديمقراطي أوباما. وكان ترامب أول رئيس يعمل أمامه من الحزب الجمهوري، وتمثّل أكثر ما ركز اليمين الإسرائيلي عليه بعد ظهور نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية بأن انتصاره هزيمة لأوباما وإرثه، ومجرّد هذا ينطوي على منفعة.