في رحيل أسامة فوزي: الابتسامة المُخادِعة

11 يناير 2019
الصورة
"بحب السيما" (عمرو مراغي ـ فرانس برس)
+ الخط -
قبل انصرافه إلى الإخراج، منتصف تسعينيات القرن الـ20، يختبر السينمائيّ المصري أسامة فوزي (1961 ـ 2019) تجربة العمل كمخرج مساعد في 12 فيلمًا، خلال 10 أعوام. هذا ليس تفصيلاً عابرًا. التجربة ـ إنْ تكن مرتبطة بسينمائيين يمتلكون رؤية ولغة وفكرًا واشتغالاً ـ تُحصِّن وعيًا، وتُبلور معرفة، وتُعمِّق أسلوب عمل وخيارات بصرية. وفوزي، المتخرّج حديثًا حينها من "المعهد العالي للسينما" في القاهرة، يخوض تلك التجربة متنوّعة الأساليب، من نتاجٍ تجاري بحت (3 أفلام مع حسين كمال) إلى السجالي والمحرّض على إعمال العقل والمشاعر، وعلى طرح أسئلة الواقع والحياة والتواصل والسلوك والتأمّل (فيلمان اثنان مع رضوان الكاشف ويُسري نصرالله). 

بين عامي 1983 و1993، يُعاين أسامة فوزي ـ الراحل صباح 8 يناير/ كانون الثاني 2019 ـ آليات عديدة للإخراج السينمائي، وفق توجّهات يرتكز بعضها القليل على طابع إنساني في مقاربة "الورطة الفردية" في عيشٍ وارتباكٍ وأقدارٍ وبيئات. فهو، بدراسته السينما، يأتي إلى تلك التجربة كمن يرغب في اكتساب عمليّ لنظريات واشتغال أكاديمي بحت، وكمن يسعى إلى اكتشاف وقائع التركيب البصري لحكايات وانفعالات وتقنيات. في حين أن انتقاله إلى الإخراج سيكون، في الوقت نفسه، انتقالاً إلى مساحة تنفصل عن تلك التجربة، فتتيح له إمكانية أكبر لقول ذاتي في مسائل الاجتماع والتصرّف ولغة التواصل بين الناس، في مجتمعٍ مُصابٍ بانغلاقٍ وتزمّت ناتجين من تربية دينية جماعية، تتشابه وغيرها في اعتماد المنع والتحريم منهجًا لحياةٍ، ومنطقًا لتفكير.

لعلّ أبرز لحظتين في تجربته كمخرج مساعد، يُمكن الركون إليهما كركيزة سينمائية وثقافية وفكرية وإنسانية أجمل وأهمّ، تتمثّلان في عمله مع يُسري نصرالله (1952) في "مرسيدس" (1993) ورضوان الكاشف (1952 ـ 2002) في "ليه يا بنفسج" (1993). غير أن سيرته تقترب أكثر إلى سيرة الكاشف، في قلّة الأفلام المنجزة (3 للكاشف في 8 أعوام، و4 لفوزي في 13 عامًا)، وفي قسوة الحياة وسرعة نهايتها (رغم أن فوزي سيعيش 8 أعوام أكثر من الكاشف)، وفي تحدّيات العمل ونتائجها المريرة على نفسٍ وروحٍ وجسدٍ، وفي تنامي شعور القهر، رغم الابتسامة الملتبسة أو المُخادِعة التي يتمتّع بها السينمائيان.

وإذْ يتمكّن رضوان الكاشف، في "عرق البلح" (1998)، من قولٍ سينمائي أعمق وأجمل وأقدر على إثارة سجالٍ حيوي وجمالي، سيحول ـ في الوقت نفسه ـ دون السماح له بعروض تجارية أكثر؛ فإن أسامة فوزي يُنجز بدوره فيلمًا بعنوان "بحبّ السيما" (2004)، يُثير صخبًا لن يمنع التنبّه إلى جمالياته في الحكاية والسرد والتمثيل والتفكيك والاشتغال، تمامًا كحال "عرق البلح". وإذْ يغيب الكاشف في الموت بعد عامٍ واحدٍ على إنجازه "الساحر" (2001)، فإن فوزي سيمضي 10 أعوام بعد "بالألوان الطبيعية" (2009) قبل رحيله، عاجزًا فيها عن تحقيق أي مشروع جديد له، وغارقًا يومًا تلو آخر في مزيدٍ من العزلة والانكفاء، رغم أعمال قليلة لن تكون سينمائية بحتة، كما أنها لن تكون له كلّيًا. وكما أن "الساحر" أضعف أفلام الكاشف، وأقلّها جمالياتٍ؛ فإن الفيلم الأخير لفوزي لن يبلغ مرتبة بديعة من فعل سينمائيّ يعتاده في أفلامه السابقة.

لكن قولاً كهذا لن يُغيِّب إطلاقًا جماليات مختلفة تحضر في أفلامهما الأخرى، كـ"ليه يا بنفسج" (1993) للكاشف و"عفاريت الإسفلت" (1996) و"جنّة الشياطين" (1999)، أول روائيين طويلين لفوزي. فقدرهما أن تكون بداياتهما ناشطة وحيّة وحماسية وسجالية، تدفعهما إلى مواجهة سائدٍ منبوذ، وإلى ابتكار بعض الجديد المطلوب. رغم هذا، ينتهي بهما الوضع إلى مزيجٍ من إحباط وخيبة ووجع داخلي، يصمد أسامة فوزي إزاءه 10 أعوامٍ قبل أن يغيب في الموت.

والبداية، التي تُعلن انطلاق أسامة فوزي في الإخراج السينمائيّ، تؤكّد شيئًا مهمّا من توجّهه الإنساني والفكري والتأمّلي، عبر سينما تنفض عنها التجاريّ الباهت، وتجتهد للحاق بنمطٍ يحاول مصريون عديدون ترسيخه في مواجهة تبسيطٍ وبهتانٍ، في مرحلة تتّسم بتنامي ظاهرة "الكوميديين الجدد" مطلع تسعينيات القرن الـ20، في مقابل استكمال مشروع التغيير والتجديد السينمائيين، الذي يصنعه مخرجو "الواقعية الجديدة" في القاهرة منذ الثمانينيات السابقة. والاستكمال متمثّل بالسيرتين السينمائيتين لداود عبد السيّد (1946) ويُسري نصرالله، مثلاً. فعبد السيّد يُخرج أول روائي طويل له عام 1985 (الصعاليك)، قبل 3 أعوام على بدء نصرالله عمله الإخراجي، مع "سرقات صيفية" (1988)، وهما معًا يُكملان نهجهما السينمائي المختلف والتجديدي في تلك التسعينيات، وفي ما بعدها أيضًا.

التسعينيات نفسها تشهد نوعًا من نزاعٍ بين أنماطٍ، يختار أسامة فوزي منها الأقرب إلى طموحه كسينمائيّ يهوى معاندة الواقع ومقارعته، فيتوغّل في ثناياه العديدة، ملتقطًا نسقَ عيشٍ وتفكير لأناس مهمّشين، منطلقًا بـ"عفاريت الإسفلت"، الذي يتجوّل في عالم سائقي "ميكروباص"، كي يكشف أحوال بيئة مقتربة من بؤس وشقاء يحاول ناسها التصدّي لهما.

يتفرّد أسامة فوزي في اختراق المسكوت عنه، وفي انتقاء غير المتداول وغير المعتاد انتقاؤه. ومع أن "عفاريت الإسفلت" يلتقي، في المناخ الإنساني العام، واشتغال سينمائيي "الواقعية الجديدة" تحديدًا، إلاّ أن "جنّة الشياطين" (1999) ـ المأخوذ بتصرّفٍ من رواية "موت كوينكاس بيرّو داغا وموته" (1959) للبرازيلي خورخي أمادو (1912 ـ 2001)، المعروفة بـ"الرجل الذي مات مرّتين" ـ يلمس وترًا حسّاسًا لدى متزمّتين يرفضون المسّ بما يعتبرونه مقدّسات يُحرَّم الاقتراب منها. فالفيلم الثاني لفوزي يمزج بين السخرية ومرارة الواقع وتصنّع الطبقة البورجوازية وتفكيك هذا كلّه وتعريته الحادة، عبر حكاية رجل ثري يتخلّى عن عائلته وثروته لاختياره العيش رفقة مُشرّدين وسكارى وعاهرات، يجد معهم أمانًا يبحث عنه، وراحة يريدها. وعند وفاته بعد سنين، تكتشف عائلته البيئة التي يلجأ إليها، ويبدأ نوع من نزاع خفي بينها وبين "عائلته" الأخرى تلك، التي ستقوم وإياه (وهو جثّة هامدة) في رحلة أخيرة إلى الأماكن التي يُحبّ، وإلى الفضاءات التي يعشق.

ملامسة الممنوع يجذب أسامة فوزي إلى اقتحام بيئته الدينية (التي يتخلّى عنها لاحقًا بسبب حبٍّ يعيشه مع سلوى خطّاب)، فيُحقِّق "بحبّ السيما" (2004)، ليكشف بطش التشدّد وقسوته، ومدى تمكّنه من تحطيم إرادات وأحلام ورغبات، وإنْ يفشل البطش، أحيانًا، في تحقيق المُراد منه. وإذْ يتميّز "جنّة الشياطين"، بين مميزات عديدة أخرى، بتولّي الممثل محمود حميدة عملية إنتاجه في خطوة أولى له في هذا المجال، مؤدّيًا ـ في الوقت نفسه ـ دور الثري المتوفى بين أصدقائه؛ فإن "بحبّ السيما" يكشف، مجدّدًا، براعة التمثيل لدى حميدة نفسه، في شخصية مسيحي متشدّد بإيمانه المتعلّق بحَرْفية النص الديني، وفي ارتباكه وقلقه وخوفه، وهذه أمور تجعله يُقوّي الحصار على زوجته عاشقة الرسم (وهذا ممنوع)، وابنه الصغير عاشق السينما (وهذا حرام).

وإذْ يبدو الفنّ (السينما) حرامًا في بيئة مسيحية متشدّدة، فإن الفن (الرسم والنحت) حرامٌ في بيئة دينية متشدّدة اخرى، لن يكون تزمّتها أخفّ وطأة من غيرها. هذا ما يحاول فوزي إنجازه في "بالألوان الطبيعية" (2009)، من خلال قصّة طالب في كلية الفنون، يمتلك موهبة الرسم ويريد أن يبرع فيه، لكنه يواجه عصبيات الأفكار المتشدّدة، المنفضّة عن الفن، والرافضة إياه، والصدامية معه. لكن الفيلم، الذي يختم سيرته السينمائية من دون قصد، يبقى الأقل جمالية. ربما لهذا سيغوص فوزي، شيئًا فشيئًا، في غيابٍ يزداد يومًا تلو آخر، حتى لحظة رحيله قبل شهرين و10 أيام على احتفاله بمرور 58 عامًا على ولادته (19 مارس/ آذار 1951).

يغيب أسامة فوزي. يُغلق الباب وراءه بصمتٍ ويرحل. يحمل معه ابتسامة وبَكَرة أفلام، وشيئًا كثيرًا من خيبة ومرارة. يلتفت قليلاً إلى الوراء، ثم ينصرف. كأنه يقول بابتسامته الملتبسة أو المُخادِعة ما تعجز السينما عن قوله. أو ربما لن يقول، بابتسامته تلك، أي شيء، فهو يبوح ببعضٍ من أقواله في أفلامه، وببعضٍ أكثر في صمته وانكفائه ورحيله.

المساهمون