في ثقافة 2019 عربياً

31 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
ليست جريمةً فحسب، وإنما هي أيضا واقعةٌ ثقافية، يرشّحها صاحب هذه الكلمات هنا الحدث الثقافي العربي الأبرز في العام 2019 الذي يغادرنا اليوم. إنها قتل الروائي والباحث العراقي، علاء مشذوب، في فبراير/ شباط، بثلاث عشرة رصاصة. أطلقها عليه "مجهولون" في عُرف التحرّيات الرسمية، لكنهم معلومون لمن يعرف نبذ الكاتب المغدور الأعراف الطائفية المقيتة في بلده، فأقدم مجرمون من الطائفة التي ينتسب إليها على قتله في مدينته كربلاء. ولا يتمّ هنا اختيار هذه الواقعة لتكون شاهدا على خطورة ثقافة الطائفية في العراق على ثقافة الإبداع والحرية، وإنما أيضا للتأشير إلى أن ثقافةً مضادّةً للطائفية التي قتلت علاء مشذوب أبهرنا العراقيون في 2019 وهم يؤكّدونها، في انتفاضتهم الراهنة، روحا جامعةً، تُعزّز صفتهم عراقيين منتمين إلى بلدهم بتسميتهم هذه، وليس كما أرادهم الغازي الأميركي والمتواطئون معه بعد العام 2003، سنّةً وشيعةً وأكرادا. ويسوّغ ما صنعه العراقيون، وكذا ما أنجزه اللبنانيون والسودانيون والجزائريون، الذهاب إلى أن ثقافة الاحتجاج كانت الملمح الأوضح للمشهد الثقافي العربي العام في السنة التي تصير غدا فارطة. ولا يُغفل هنا عن مشاركة كتّابٍ ومثقفين، ديمقراطيين حقا، لبنانيين وجزائريين وعراقيين وسودانيين، في فعاليات الاحتجاج، واصطفافهم النشط مع الثورات ومظاهراتها ومطالباتها، بكيفياتٍ تستحقّ التنويه بها. 
في المقابل، حافظت السلطة البوليسيةُ الحاكمة في مصر، في 2019، على منظورها الأمني المرتاب من ثقافة الاحتجاج، مواظَبةً منها على دأبها المعلوم منذ انقضّت على ثقافة "25 يناير". وقد ظهر في الشهور السابقة أن هذه السلطة بلغت مستوىً جنونيا في ارتعاشها من المثقف الناقد، الناصح، الإصلاحي، ناهيك عن الثوري، الأمر الذي دلّ عليه حبسُ الأستاذ الجامعي، حسن نافعة (73 عاما)، في سبتمبر/ أيلول الماضي، في واقعةٍ كان مؤسفا بصدِدها أن مقادير تعاطف المثقفين المصريين، المشتغلين بالكتابة والأدب خصوصا، مع الرجل، جاءت شحيحةً، كما مع غيرِه من معتقلي الرأي الذين زجّهم النظام البوليسي في سجونه، النظام الذي جاء من مظاهر العبث في ممارساته أن محكمةً عسكريةً قضت، قبل أيام، على الناشر وصاحب مكتبة "تنمية"، خالد لطفي، بتأكيد الحكم بسجنه خمس سنوات، لتوزيعه كتابا منشورا يصف أشرف مروان، صهر جمال عبد الناصر، جاسوسا لإسرائيل.
لا يقفز الإتيان على الحالة المصرية هذه، في مقطعٍ منها عوين في 2019، على أن دورة الإنتاج الثقافي، وكذا انتظام المناسبات والتظاهرات الثقافية والفنية، في عدّة بلدان عربية، دلا على شيءٍ من العافية في المشهد العام، ويُمكن الثناء على هذا، فقد تعدّدت معارض الكتب ومهرجانات المسرح والسينما وتوالت الإصدارات، الروائية خصوصا، وتم تكريم مبدعين ومفكّرين بجوائز مستحقّة، وجرى تنظيم مؤتمراتٍ وملتقياتٍ لبعضها قيمتُه في غير بلد عربي. ويمكن القول إن هذه الأنشطة لم تختلف كثيرا عمّا شهدته أعوامٌ سابقة، وإن جاز اعتبار موقعة الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر)، في إبريل/ نيسان، كاشفةً عن رداءة مسلكيات مثقفين مستهجنة، عندما أقدمت لجنة التحكيم على استدعاء روايةٍ لم تتقدّم للمنافسة (يجوز ذلك في نظام الجائزة)، ثم منحها الجائزة الأولى، لتتحدّث بعد ذلك صاحبة هذه الرواية بلغةٍ طاووسيةٍ عن استحقاقها هذا الفوز. ولا يخدش هذا الذي حدث القائمين على الجائزة والمشرفين عليها ورُعاتها، وإنما يدلّ على أمراضٍ غير قليلةٍ في النخبة العربية المثقفة.
ونشطت في 2019 بوتيرةٍ أكثر اتّساعا عمليات بيع آثار يمنيةٍ في أسواق عربية وأجنبية، وخاطبت وزارة الثقافة اليمنية الإدارة الأميركية لاستصدار قرارٍ يمنع هذا في أسواق الولايات المتحدة. واليمن بلدٌ يبلغ التهديم فيه مبلغا مريعا، يقضي على العباد وعلى العمران. كما الحادث في سورية التي تفنّنت السلطة فيها في منع عناوين عديدة في معرض الكتاب الذي انتظم في دمشق، ما يعدّ تفصيلا عابرا في غضون مطحنة الموت والخراب النشطة في هذا البلد. ومن تفاصيل أخرى في العام الذي ينقضي، انحسارُ ثقافة السجال والمحاجَجة، ثقافة احتكاك الأفكار واشتباكها، فيما أطروحاتٌ واجتهاداتٌ لها منزلتها الرفيعة يطرحُها أصحابها، إمّا تلقى التجاهل أو الاستخفاف، فيما تتسيّد ثقافة التفاهة التي يُعزّزها نفوذ "السوشيال ميديا"، وهذا موضوع طويل.

دلالات