في تعرية الأوطان

18 أكتوبر 2019
الصورة
خطاب السيسي يختزل سائر الخطابات الكارهة للحرية (الأناضول)
+ الخط -
خلال 35 عاماً في الغرب، لم أسمع سياسياً، لا يسارياً ولا يمينياً متطرفاً، يتحدث لشعبه عن بلده مثلما يفعل بعض الساسة العرب المصابين بنرجسية "الزعامة"، المورثة أحياناً. ولا يبدو في سياق مرض الاستبداد الذي يجتاح أوطاننا، من فرقٍ بين دولة كبيرة وصغيرة. فخطاب التعرية الذي يوجّهه لشعبه زعيم انقلاب مصر، عبد الفتاح السيسي، في "أم الدنيا"، هو اختزال صريح لسائر الخطابات الكارهة للحرية، ولعجز نخب عربية، تحكم مع حفنة من المستفيدين من كوارث مفاقمة الديون وتوسيع رقعة الفساد والإفقار، وتجعل الأوطان سجوناً لسحق المسحوقين أصلاً.

يحسب البعض في أجواء الاستبداد والفساد، أن آليات التنظير والكذب، وتحميل الشعوب مآلات الكوارث، تصنع زعامة ووهماً عن أن الحال "أفضل حتى من أوروبا" ومن عموم الغرب. وفتش هنا عن خطاب "الطرف الآخر" و"كنا كدا وبقينا كدا"، لاستذكار حرب أكتوبر 1973، لإدراك معابر وبوابات تلك الدونية في طلب مشروعية الحكم، واستحضار خطاب "أهل الشر".

ليست مصر وحدها المريضة. ففي الغرب قوى عنصرية وفاشية تلقي على "الغرباء" تهماً كثيرة، وتشتعل فيه حرائق، لكن هستيريا العنصرية لا تمر بتحميل معمّم وشامل لـ"السوري"، كما فعل البعض أخيراً خلال الحرائق في لبنان، وبالطبع لن تسمع هراء، من السويد شمالاً وحتى إسبانيا جنوباً، عن أن "الفلسطيني والسوري أوسخ البشر"، كما يفعل تيار عنصري فاشي بلسان عربي يؤازر بعضه بعضاً.
والخليج أيضاً ليس بعيداً عن صورة تعرية مهينة بلسان دونالد ترامب، تذكّرنا بمدى وفداحة ما تجلبه أنظمة المراهقة والفساد والاستبداد باندفاعها نحو المزيد من فخاخ التحالف مع دولة الاحتلال.

في المجمل، ترى جامعة الأنظمة العربية أن لا قيمة للسيادة إن انتُهكت من باريس ولندن وواشنطن وموسكو ومرتزقتها وطهران وتوابعها وعربدة تل أبيب في القدس والسماء السورية، فحمأتها تُظهر نفاقاً بلا حدود حين يقترب منها التركي. كل التعرية الجارية منذ غزو العراق في 2003 لم تستثر مؤسسي كوارث ديمومة سلالة الحاكم. صحيح أن تونس استثناء بين جمهوريات الاستبداد. لكن ستبقى أيادي الشارع العربي على القلوب، طالما بقيت الأنظمة الكارهة والمرتعبة من "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" ومن هتاف "إذا الشعب يوماً أراد الحياة"، ففارق كبير بين الحياة، وتلك التي تسوقها أنظمة عارية من كل شيء.

المساهمون