في ترتيب البيت الفلسطيني

20 يونيو 2020
الصورة
تواجه هذه المقالة مشكلة منهجية في بنائها، تعود إلى عدم تيقن الكاتب من الفرضية التي أُسّست عليها، والتي تقول إنّ قيادة السلطة الفلسطينية قد تحلّلت من الاتفاقات والتفاهمات التي تمت مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، بما فيها الاتفاقات الأمنية، وبذلك تصبح الأبواب مشرعةً لبناء أوسع وحدة وطنية، على قاعدة مواجهة ما عُرفت بصفقة القرن، وإجراءات الضم الإسرائيلية مناطق واسعة في الضفة الغربية، وهو ما يعني بوضوح أنّ خيار التوصل إلى تسوية سلمية، قائمة على مبدأ حل الدولتين عبر المفاوضات، قد تراجع. وأنّ على الشعب الفلسطيني أن يبدأ، في أماكن وجوده كلها؛ في الضفة الغربية، وقطاع غزة، وفلسطين المحتلة منذ عام 1948، والشتات، مرحلةً جديدةً من رحلة نضاله المستمرة باتجاه العودة إلى مرحلة التحرّر الوطني، وتصعيد مقاومته وهباته الشعبية، متمسّكا بروايته التاريخية، في مقابل الرواية التوراتية الصهيونية، فالمرحلة ليست مواتيةً للبحث عن حلول، بقدر ما يجب العمل على تصعيد مقاومة الشعب الفلسطيني المشروعة. 
إذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فثمة أمورٌ ينبغي مباشرة العمل بها فورًا، لتعزيز وحدة وطنية حقيقية وشاملة، في مقدمتها ضرورة الفصل الكامل بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية، والشروع في حوار وطني جاد ومسؤول لإعادة بناء منظمة التحرير، باعتبارها قيادة سياسية موحدة للشعب الفلسطيني كله، وممثّلًا شرعيًا ووحيدًا له. وإنجاز إعادة بناء المنظمة يعني إنهاء الانقسام الفلسطيني كاملًا، حيث ستكون هنالك قيادة سياسية واحدة تقود الكل الفلسطيني في الداخل وفي الشتات، وتعيد إليه وحدته التي مزّقها اتفاق أوسلو، وتُنهي ارتهان المنظمة للسلطة، وتفكّ أسرها، كما تحول دون أي أفكار عن كيانٍ بديلٍ في قطاع غزة.
ثمّة اعتراف من جميع الأطراف على الساحة الفلسطينية بأنّ منظمة التحرير تحتاج إلى إحياء 
وتفعيل وإصلاح. وفي ظني أنّ ما كان يحول دون ذلك هو عدم التوافق على البرنامج السياسي. ولمّا كنّا نفترض أنّ المرحلة الحالية ينبغي أن تشهد اتفاقًا على مواجهة صفقة القرن وبرنامجها، ولضمان نجاح ذلك، على الطرف المسيطر على المنظمة والسلطة الانفتاح الكامل على إعادة البناء وفق أسس تشاركية وتمثيلية، والكفّ عن اتهام أي دعوة إلى إحياء المنظمة بأنه كلام حقٍّ يُراد به باطل، وهو اتهام يتكرّر منذ أكثر من ربع قرن، من دون بذل أي جهد لإقرار الحق والحيلولة دون الباطل. وعلى الأطراف الأخرى تجاوز الجدل الدائر في صفوفها حول شرعية الأطر القائمة من عدمها، على اعتبار أنّ إعادة البناء ذاتها كفيلةٌ بإصلاح أي خلل، وإن طال، وهو تجاوزٌ تمليه محاولة السعي إلى تحقيق الوحدة، وتجنب أي نقاش قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام.
وانطلاقًا من هذا الفهم، على رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بالتشاور مع القوى السياسية الفاعلة، والشخصيات الوطنية، وممثلي المجتمع المدني، تأليف لجنة تحضيرية لإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، ويمكن لها أن تكون بمنزلة إطار سياسي قيادي جامع، يتولى مسؤولية القرارات الرئيسة، إلى حين انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، وانتخاب لجنةٍ تنفيذية جديدة. وهو اقتراحٌ جرى العمل به في مراحل عدة، سواءً عبر مسمّى القيادة الفلسطينية، أم عندما تم الاتفاق على تشكيل الإطار القيادي الموحد في اجتماعات المصالحة الفلسطينية.
في الإطار ذاته، يمكن لثلث أعضاء المجلس الوطني أخذ زمام المبادرة في هذا الطلب، وفق النظام الأساسي للمجلس. كذلك على فصائل منظمة التحرير، وأعضاء المجلس المركزي، وكوادر حركة فتح والفصائل الفلسطينية، الانضمام إلى كل جهدٍ يُبذل من أجل إعادة البناء. ومن المهم أن يُدعم هذا الجهد بتنظيم اللقاءات والمؤتمرات المحلية، وتوقيع نداءاتٍ وعرائض من ألوف الفلسطينيين في جميع أنحاء العالم، من أجل إنجاز هذا الهدف المتمثّل في إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، وانتخاب قيادةٍ سياسيةٍ للشعب الفلسطيني كله، على أن يكون تشكيل المجلس الجديد على أساس تمثيلي ديمقراطي لمختلف شرائح الشعب الفلسطيني وأماكن وجوده وتجمعاته، بما فيها فلسطين المحتلة عام 1948، بحيث تجري الانتخابات حيثما أمكن ذلك. وتوفّر لنا وسائل التواصل الحديثة إمكانية إجراء الانتخابات عبرها بشفافيةٍ ويسر، بعيدا عن سطوة السلطات المحلية ورقابتها. الأساس في ذلك كله أن تكون بعيدةً عن المحاصصة، وأن تتم على أساس تمثيلي حقيقي، ويترك للجنة التحضيرية هذه التفصيلات وكيفية معالجتها.
وفي موازاة العمل على إعادة بناء منظمة التحرير، فإنّ مهمات السلطة الوطنية تستدعي تغييرًا في دورها الوظيفي، بحيث يصبح هدفها المحافظة على المؤسسات الوطنية للشعب الفلسطيني؛ التعليمية، والصحية، والاقتصادية، وحتى الشُرَطية منها، وتطويرها، وتسيير أمور الحياة اليومية للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يستدعي إنهاء أي دور سياسي لها، حيث يُناط هذا الدور بالمنظمة وحدها. وعلى كوادر السلطة أن يهيئوا أنفسهم للتعرّض إلى مضايقات العدو الصهيوني واعتقالاته وعراقيله، والصمود أمامها ومقاومتها.
ما سبق كان فرضية جميلة، كلنا أمل بأن تكون هي الحقيقة الوحيدة، لكن ثمّة أسئلة عالقة ما
 زالت تحتاج إجابات وافية. واللافت أنه منذ قرار التحلل من الاتفاقات، فإنّ الأجوبة تراجعت حين تكاثرت الأسئلة، وجديدها كان حديث رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد اشتيه، عن نية السلطة والمنظمة سحب الاعتراف بدولة إسرائيل إذا أقدمت على الضم، ألا يعني هذا أننا لم نسحب الاعتراف بعد؟ وهو سؤالٌ يستدعي معرفة الاتفاقات التي تم التحلل منها، والأخرى التي يُحافظ عليها؟ وإلى متى؟ ولماذا؟ كذلك ما هي خطة السلطة لمواجهة الضم المعلن عنه منذ ثلاث سنوات؟ وهل ما زالت تسعى إلى عودة التفاوض على حل الدولتين، مع تعديلٍ لمرجعية المفاوضات، كما ورد في حديث اشتيه؟ أم هو الهروب من مواجهة الضم عبر الاكتفاء بأنّ الرد على الخطة هو الإعلان عن الانتقال من السلطة إلى الدولة؟!
لن نستبق الأحداث، فإنْ هي إلا بضعة أسابيع وستتضح النوايا و"تُكذّب المي الغطاس"، إضافة إلى أننا ما زلنا نعلّق أملًا بأنّ سياسة العدو الصهيوني ذاته ستُجبر كثيرين ممن ساروا على هذا النهج على التخلي عنه. ولكن ماذا لو استمرت السلطة في ظل الضم بالتنسيق مع العدو في مختلف شؤونها، وأضحت من أدوات سيطرته؟
لن تُحل السلطة الفلسطينية، لا يوجد من يتخذ هذا القرار، وإن وُجد، فهناك من سينقلب عليه، لكنها حتمًا ستنهار، وستفقد أي معنىً لها؛ لن تكون دولة، وفي أحسن أحوالها ستكون مثل حكومة فيشي في فرنسا التي خضعت لسيطرة المحتل الألماني. أما الشعب الفلسطيني، فسيسعى جاهدًا إلى المحافظة على مؤسساته الوطنية، من خلال البلديات ومؤسسات المجتمع المدني. وفي حالة عدم الانصياع إلى إعادة بناء المنظمة، فلا خيار سوى أن تتحد جميع المبادرات الوطنية والشبابية، وتبدأ تنظيم طاقات الشعب الفلسطيني وتوجيهها، وتصعيد ذلك، وصولًا إلى مؤتمر وطني عام، تنتج عنه لجنة تحضيرية تُكمل مهمتها لإعادة بناء منظمة التحرير التي عليها أن تكون حاملًا للمشروع الوطني الفلسطيني.