في تذكّر بلقيس ونزار

14 يناير 2020
الصورة

بلقيس ونزار ...

+ الخط -
"../ كانت إذا تمشي/ تُرافقها طواويسٌ/ وتتبعها أيائل/ بلقيسُ/ يا وجعي/ ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل/ ..". أتذكّرني أقرأ هذا المقطع في قصيدة "بلقيس"، وأراني الآن على غبطتي به في نهارٍ بعيد قبل 39 عاما، فأردُّده غير مرّة، في أثناء قراءتي القصيدة، منشورةً على صفحةٍ كاملةٍ في صحيفة الرأي الأردنية، مصوّرةً بخط يد شاعرها، نزار قبّاني، ثم يبقى هذا المقطع فيّ، ولا يغيب، من بين كل سطور القصيدة البالغة الحرارة، والشفيفة الآسرة. وبلقيس هي زوجة الشاعر وحبيبتُه، العراقية التي قضت، مع نحو ثلاثين آخرين، في تفجيرٍ إرهابيٍّ استهدف السفارة العراقية في بيروت، في ديسمبر/ كانون الأول 1981. يستيقظ المقطع الشعري هذا من الذاكرة، وأنا أقرأ اتهاما صريحا لأبو مهدي المهندس، نائب رئيس مليشيا الحشد الشعبي، بقتلِه بلقيس في تلك الجريمة. جهرت بهذا رنا صباح قبّاني، الكاتبة السورية، ابنة أخ الشاعر الشهير، في تغريدةٍ كتبت فيها إن ثأرا تمّ لامرأة عمّها، في قتل المهندس الذي فعل جريمته تلك "بمساعدةٍ من أوباش حافظ الأسد". ويبعث على الانتباه بهذا الاتهام أن التغريدة هذه وحدَها جاءت عليه، بين مئات التقارير الإخبارية عن المليشاوي العراقي، الإيراني الجنسية، فيما استعادت هذه التقارير، وكذا المعلومات الأرشيفية عنه، مشاركاتِه في عملياتٍ إرهابية غير قليلة، ليس منها أنه من منفّذي تفجير السفارة العراقية في بيروت، فيما هو من مخطّطي استهداف السفارتين، الأميركية والفرنسية، في الكويت في 1983، ومتّهم بمحاولة اغتيال أمير الكويت في 1985. وقد كان في نحو التاسعة والعشرين عاما لمّا وقعت جريمة بيروت، والأرجح أنه كان مقيما في الكويت. 
لا يعني هذا أن هذا الشخص، وهو صاحبُ أرشيفٍ أسود، بريءٌ من العملية الإرهابية الفظيعة التي دوّت في العاصمة اللبنانية، وقضى فيها عراقيون ولبنانيون، وجرح نحو مائة، فالجريمة ارتكبها حزب الدعوة الذي كان ينتسب إليه أبو مهدي المهندس (هذا أحد أسمائه الحركية الـ19!). وذائعٌ أن عناصر هذا الحزب وكوادره الميدانيين كانوا يتلقون تدريباتٍ عسكريةً في سورية، وبرعايةٍ من نظام حافظ الأسد، فيما دعمُه (وإسناده) المالي والسياسي من إيران. وليس مستبعدا أن يكون المهندس (يحمل شهادةً جامعيةً في الهندسة)، من العناصر التي تلقّت في سورية التدريب مبكّرا، وهو الذي شارك مع إيران في الحرب ضد بلده العراق، وليس بعيدا أن يكون ممن شاركوا في التخطيط للجريمة التي أحالت السفارة العراقية في بيروت رُكاما. ولافتٌ أن هذا الملف كان سيتم فتحُه بعد دعوى قضائيةٍ قدّمها محامٍ لبناني في العام 2014، لملاحقة قتَلة بلقيس، الأمر الذي كان سيعني أن يتحمّل المسؤولية عن الجريمة نافذون في السلطة العراقية الحاكمة، من المبكّرين في حزب الدعوة الذي سبق أن أعلن مسؤولياته عن غير جريمةٍ في العراق وغيره، وكان يسوّغها بمحاربته نظام صدّام حسين. وفي ما نُشر من أخبارٍ شحيحة، لم تعرف الدعوى المسار المُفترض لها، بسبب "اختفاء" أرشيفٍ مهم، في وزارتي الخارجية، العراقية واللبنانية، يتعلق بواقعة السفارة.
أسودٌ كالحٌ أرشيفُ الحروب البينية العربية، وثقيلٌ ومقيت، لمّا اتخذت، في أطوار سابقة، الاغتيالات وجرائم الإرهاب والمفخّخات، يفيد بأن النظام البوليسي العربي لا حساسية لديه تجاه الإنسان وقيمته، وحقّه في الحياة. وقد برع النظامان البغيضان اللذان شيّداه حافظ الأسد وصدّام حسين في السفالات المروّعة من هذا الطراز، فإضافة إلى الإعدامات المرتجلة والاعتقالات المديدة والتصفيات والاغتيالات، وإلى حروب المفخّخات، وكواتم الصوت، في بيروت وفي غير عاصمةٍ عربيةٍ وأجنبية، ترك النظامان المذكوران حُطاما فادحا، ينجم عنه، وعن استبدادهما القاسي، ما نشهد من خرابٍ وتهديم نشطين في سورية والعراق، ومن تآكل الحالة الوطنية الجامعة وتذرّرها. وفي غضونٍ بعيدة، قبل نحو أربعين عاما، قُتلت في واحدةٍ من نوبات العبث الدامي، بين ذينك النظامين، ومعهما مخابرات نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، امرأةٌ اسمُها بلقيس، كانت إذا تمشي ترافقها طواويسٌ، وتتبعُها أيائل.