في بلادي فقط

29 يونيو 2019
هناك على قمة الجبل نحلة تمتص رحيق الأزهار، هناك في الحدائق فراشات تتراقص أجنحتها وهي تدور حول أزهارها.
هناك في الوديان الخضراء خراف تثغو وصغارها تتقافز فرحاً، وفي السماء يعلو صقر يفرد أجنحته لينساب في الفضاء يترقب فريسته بصبر وحدة بصر. وفي الطريق هناك طفلة تحمل لعبتها، تحتضنها بيديها، وثمة طفل يقف على قارعة الطريق، يمد يده ذات اليمين وذات الشمال، يطلب كسرة خبزٍ داست كرامته أقدام الطريق. وهناك بعيداً في الحقل، فلاح يحمل فأساً بيد وحبات قمحٍ بيدٍ أخرى، ينثر حبات القمح لتنمو وترتفع هامتها معانقةً خيوط الشمس لتزهر سنابل خضرٍ تزيحُ السنابل اليابسات.
عاصفة صفراء تحمل معها وحوشا ضارية تدوس بأقدامها السنابل الخضر، تنكسر، تذبل، تموت، لتبقى السنابل اليابسات.
الشمس تراجعت خجلة، وانزوت خلف الأفق، لتعلن عن استسلامها لظلام الليل، من يملك قدره بيده؟ من يعلم ماذا يكون من غده؟ من كان يعلم بقدوم العاصفة؟ من كان بمقدوره أن يتنحى جانباً ليسمح لها بالمرور؟ من كان يعلم أن القادمين معها بشر تجرّدوا من كل صفات الإنسانية؟ من كان يعلمُ أن ادّعاءهم لخلاصنا هو موتنا؟
في بلادي فقط تقطف الأزهار وتداسُ السنابل، في بلادي فقط تهاجر الفراشات ويذبح البشر كما تُذبحُ الشاة. أشعة الشمس خجلة أو إنها تعكس ما على الأرض من دماء، وفي بلادي فقط الخطيئة طهارة والإجرام بر والسقطةُ حصانة والجنايةُ نزاهة.
في بلادي ما يرفع قيمة الناس مدى خطيئتهم، ولكي تستمر لا بد لكَ من السير معَ السائرين والخوضَ معَ الخائضين، ومن كان لا يملك خطيئة فليبحث عنها، فما زال الطفل يمد يدهُ لكسرة خبزٍ من أناس جفاهم الإحسان.
C950ED75-9777-4102-A1EF-12E7B15D7144
سلام عفات عودة (العراق)