في انتظار النيزك

14 أكتوبر 2016
الصورة
متى يصطدم أحدها بالأرض؟ (ماتياس بالك/ فرانس برس)
قبل أربع سنوات كان يبحث جدياً عن بلد يغادر إليه بدلاً من بلده الذي تضربه القلاقل. فكّر في بلد شقيق يربي فيه أطفاله على عادات قريبة ووسط أشخاص يتحدثون اللغة نفسها، وإن بلهجة مختلفة عن لهجة بلده. جرّب بالفعل لكنه لم يوفّق.

عاد إلى بلده المضطرب بعد نحو شهر في البلد القريب موقناً أن البقاء في بلده حراً فقيراً أفضل من العيش في بلد يوفر له قدراً أكبر من المال لكنه يحرمه الحرية التي اعتاد عليها، حتى لو كانت حرية ناقصة أو مقيدة.

اكتشف خلال الفترة القصيرة التي قضاها في البلد الغني أنه غير قادر على التعايش مع سكانها، وأن حياته ستتحول قسراً إلى شبه حياة، أو نسخة ممسوخة لا طعم لها ولا قيمة. كان قراره بالعودة إلى بلده حاسماً، ولسان حاله يقول: نصف حر في بلد مرتبك أفضل من نصف ميت في بلد بلا حياة.

قضى في بلده عامين آخرين من التخبط والتدهور. حاول قدر استطاعته مواصلة الحياة بشتى الطرق، لكنه وصل في نهاية السنتين إلى نتيجة مفادها أنه لا جدوى من البقاء في هذا المحيط القاتل. قرّر مجدداً البحث عن مهرب.

كانت وجهته هذه المرة شمالاً، بعد أن جرّب التوجه شرقاً. هاجر إلى بلد أوروبي؛ هاجر وحده دون عائلته كما فعل في المرة الأولى. الفكرة أن لا يعرّض العائلة للمخاطر. أن يجرّب وحده، وفي حال استقرار الأمور يجلبهم للعيش معه.

لم تكن التجربة مرضية أيضاً، وبالتالي لم يستقدم العائلة. قضى فترة تقترب من العام في البلد الأوروبي؛ وحاول بشتى الطرق أن تنجح هجرته متسلحاً بكل رغباته في الهرب من الظروف التي يعانيها بلده، لكنه لم يوفق.

عاد إلى بلده الذي أصبح أكثر اضطراباً موقناً أن الحياة في بلد متدهور أفضل من الموت في بلد غريب.

بعد عودته الثانية، أصبحت نظرته للأمور مختلفة. عاش لشهور على هامش الحياة، لا "يشتبك" في أي أمر جدي. لا يقرأ الصحف ولا يتابع قنوات الأخبار. يتجنب المقاهي والأماكن العامة حتى لا يسمع شيئاً عن أحوال البلاد أو أحوال العباد.

لم تفلح تلك المحاولة أيضاً، فالحياة في بلد مضطرب تجبر من يعيشون فيها على الاشتباك اليومي مع الأمور الحياتية، ولا تمنحهم أدنى فرصة للهرب أو التجاهل، حتى لو رغبوا في ذلك.

باتت نظرته لكل شيء أقرب إلى السوداوية. بات رأيه في كل الأمور مزعجاً للمحيطين به، حتى أن معظمهم بات يتجنب الدخول معه في مناقشات جادة.

لاحقاً بات يروّج لرؤيته الجديدة التي يلخصها في عبارة "النيزك"، ومفادها أنه ينتظر أن يصطدم نيزك قادم من الفضاء بالأرض فيدمر كل مظاهر الحياة عليها.

هو حالياً إنسان بلا هدف ولا مشروع، يعيش فقط في انتظار وصول النيزك.