في المشهد الإسرائيلي الراهن

30 سبتمبر 2019
الصورة
بعيداً عن الجدل حول إمكانية نجاح بنيامين نتنياهو في تشكيل الحكومة الإسرائيلية للمرة الخامسة، أو فشله في تشكيلها للمرة الثانية؛ وابتعاداً عن الخوض في السيناريوهات المتوقعة لما ستؤول إليه الأمور، لأن التعقيدات التي تشهدها الحلبة السياسية في إسرائيل لم يسبق لها مثيل، فقد أوصلت محللين ومختصين إلى مرحلة الحيرة والارتباك في كيفية رسم الخريطة السياسية المستقبلية، أو ترجيح سيناريو على الآخر، لحل أزمة الفراغ السياسي. ومع ضبابية المشهد وتعقيداته، تكشف التطورات أخيراً عن بعض ملامح هذه المرحلة:
أولاً: تقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، وقد تمثلت بإصرار نتنياهو على ترؤس الحكومة، على الرغم من خسارته في الانتخابات، إذ إنه يرى في منصب رئيس الحكومة طوق النجاة الذي يمنحه حصانة نسبية في مواجهة قضايا الفساد الموجهة ضده، إذ أسرع إلى تشكيل كتلةٍ مع أحزاب اليمين، لاستخدامها درعاً واقياً لمنع سقوطه، ووسيلة فعالة لإفشال محاولات خصمه، الجنرال بني غاتس، تشكيل الحكومة، وقد حظي بدعم من حزب الليكود وغطاء من تلك الأحزاب في مقابل تعهده عدم التخلي عنها وتشكيل حكومة بدونها. وفي المقابل، أصرّ قادة حزب أزرق أبيض على تولى غانتس رئاسة الحكومة، باعتباره الفائز في الانتخابات، كما اعتبروها فرصة ذهبية للتخلص من نتنياهو، وإزاحته عن الحلبة السياسية بعد أن تفرد بها سنوات طويلة، بما يعني أن الإسرائيليين أصبحوا رهينة لنزوات شخصية ولمصالح حزبية ضيقة.
ثانياً: فشل رئيس الدولة، رؤوفين ريفلين، في إقناع قادة أكبر حزبين بإيجاد صيغة أولية لتشكيل 
حكومة وحدة وطنية، على الرغم من تعهده باستخدام أساليب إبداعية، يدل على عمق الأزمة وصعوبة حلها، كما أن تدخله غير المسبوق يعبر عن مدى خشيته من استمرار حالة الفراغ السياسي وتداعياته السلبية، والتي تجلت في عدم القدرة على تعيين مسؤولين كبار، كمفتش عام الشرطة ومدير مصلحة السجون، وعدم القدرة على إقرار ميزانيات للمشاريع المهمة أو إيجاد حلولٍ لتفاقم العجز في الميزانية التي وصلت إلى مستوىً فاق التوقعات.
ثالثاً: الاتهامات التي وجهها نتنياهو إلى منافسه بيني غانتس بأنه يسعى إلى تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية ووصفهم بالإرهابيين يُجسّد تفشي العنصرية الإسرائيلية بأقبح صورها؛ إلا أن الأمر لا يقتصر على رؤية نتنياهو واليمين المتطرّف أو العداء والكراهية التي يُظهرها ليبرمان لكل ما هو عربي، بل تطاول حزب أزرق أبيض الذي يُصنف ضمن معسكر الوسط.
رابعاً: تبنّي سياسة فرّق تسد، حيث يعمل كل معسكر على تفكيك المعسكر الآخر بعدة طرق، فإما أن يتم تفكيكه من خلال إغراء أحد الأحزاب المشاركة فيه لإضعافه، كما فعل نتنياهو حينما عرض على حزب العمل ثلاث حقائب وزارية، منها حقيبة المالية، على الرغم من أنه حصل على ستة مقاعد فقط. والوسيلة الثانية تفكيك الحزب من الداخل، وقد تجلّى ذلك بمحاولة نتنياهو الاستفراد بزعيم حزب أزرق أبيض، واقتصار توجيه الاتهام إلى شريكيه، يائير لابيد وجابي أشكنازي، بالمسؤولية عن إفشال الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية. أما حزب أزرق أبيض فقد تبنّى الأسلوب نفسه، حينما تحدّث عن محاولة نتنياهو تشكيل حكومةٍ من دون مشاركة الأحزاب الدينية، وذلك بغرض تفكيك الشراكة التقليدية بين حزب الليكود وأحزاب اليمين، وإقناعهم بأن نتنياهو تخلّى عنهم، كما اشترط استبدال نتنياهو بشخصية أخرى لتشكيل حكومة وحدة وطنية، لإحداث حالة من الانقسام داخل "الليكود".
خامساً: فشل مشروع بوتقة الصهر المتمثل بجمع شتات أطياف المجتمع الإسرائيلي، ودمج ثقافاته في إطار واحد، على الرغم من مرور أكثر من سبعة عقود، وعلى الرغم من الجهود والإمكانات الهائلة التي خُصِصَت لإنجاحه. إلا أن حالة التشرذم والكراهية امتدت لتطاول الجميع، ولم تقتصر على طائفة دون أخرى أو تيار دون آخر، فما بين حريدي غربي وحريدي شرقي، بين اليمينين، العلماني والقومي، بين اليسار والوسط ووسط الوسط، كل طرف يسعى إلى فرض سيطرته وإخضاع الآخر.
كثرة الأحزاب واختلاف رؤاها، وتمسّك كل واحد منها برأيه من دون إظهار أي استعداد للمرونة، يصعّب إمكانية التوصل إلى اتفاق على طابع الحكومة وتشكيلتها. لذلك، لن تنعم أي حكومة قادمة بالاستقرار، لأن معسكر اليمين لن يتخلى عن الحكم بسهولة، وسيعمل على إفشال حكومة الوسط وإسقاطها قبل إتمام فترة ولايتها، كما ستحرص أحزاب الوسط على التمسّك بالفرصة التاريخية لاستبدال حكم اليمين، وإفشال جهوده في تشكيل حكومة بديلة.

دلالات

FDF27F99-FFB6-4DAA-B816-27EEF20E8A59
عادل ياسين