في المرحلة الثانوية

13 يناير 2020
+ الخط -
بعد أن أنهيت دراسة المرحلة الابتدائية، انتقلت لإكمال دراستي في ثانوية عمر بن الخطاب التي يُقبل عليها الكثير من الطلبة المجدّين، الراغبين في إكمال دراستهم للحصول على معدل نجاح جيد في شهادة الدراسة الثانوية العامّة "البكالوريا"، يخول لهم الدخول إلى الجامعة من بابها الواسع، لا سيما أنها تضمّ شريحةً واسعةً ومهمّةً من خيرة المدرّسين المشهود لهم بالخبرة والكفاءة، والتشدّد حيال الطلاب المنتسبين وما تغصّ به من الطلبة متنوّعي الأهواء والفكر سواء القادمين إليها من ريف الرَّقة، أو الطلاب المقيمين في المدينة، فضلاً عن الإقبال غير العادي من قبل أهالي الطلبة الذين يأتون بأبنائهم، وبصورةٍ دائمة، إلى مراجعة إدارتها لعلّ وعسى يفوز من يرغب منهم في الحصول على مقعد دراسي في صفوفها لما لها من أهمية مستقبلية في حياة الطلاب الذين سبق أن التحقوا بها، أو ممن فرضت عليهم ظروفهم أن يكونوا ملزمين في البقاء بها، وإكمال تعليمهم سواء في مرحلتي التعليم الإعدادي أو الثانوي.

وتشرف على المدرسة إدارة حاسمة، ومدرّسون منضبطون ولهم اسمهم ومكانتهم العلمية والاجتماعية وسمعتهم ومعرفتهم المتفرّدة في التعليم بصورة متميّزة، بعيداً عمّا هو معروف عنه في مدارس المدينة الأخرى الموزّعة هنا وهناك، التي بالكاد أن يكونوا يحملون نفس البذرة والجَلد على العطاء، وهذا بفضل إدارة المدرسة وأمانة سرّها التي تراقب، وعن كثب، ما يجري داخل صفوفها وما يحدث فيها باستمرار، وتشرف على أحوالها وتتابع واقع المدرّسين وتقوم على تقييمهم مع نهاية كل شهر على أقل تقدير، وغيرها من الأمور الأخرى ما يجعل من المدرّسين أكثر اهتماماً وانضباطاً من الطلاب أنفسهم.

هذه الحالة لا تتوقف عند واقعة ما، وإنما هو نهج عُرفت به المدرسة وسارت على هديه منذ تأسيسها، واستمر. وكنت، بعد أن نلت شهادة الدراسة الإعدادية في ثانوية عمر بن الخطاب، بعد إكمال الفصل الدراسي الأول في أولى ثانوي نتيجة التشدّد المتبع المبالغ فيه، فضلت الانتقال من هذه المدرسة إلى ثانوية عمّار بن ياسر، التي درست فيها المراحل الثلاث بعد الإعدادية..


بعد أن أعلمت أسرتي برغبتي في الالتحاق بتلك المدرسة، على الرغم من عدم موافقتهم في بادئ الأمر، وبعد إلحاح شديد وافقوا على انضمامي إليها وبررت لهم الأسباب الداعية لذلك، وهذا ما سيكون منعطفاً مهما في حياتي الدراسية على الرغم من أنَّ هناك الكثير من الطلاب ما زالوا ينتظرون شاغراً فيها بفارغ الصبر للانتقال إلى مدرستي الثانوية الأولى بعد أخذ الموافقات المعمول بها أصولاً لأجل الانتقال منها، وكانت تعترضهم الكثير من الصعاب من قبل إدارة المدرسة ومديرية التربية في المدينة التي تصادق بدورها على موافقة المدرسة في حال موافقتها على النقل.

وبعد جدال مع الأهل انتزعت موافقة التحدّي، وبعد إعلامهم الأسباب الداعية لذلك، وهو خلاف قائم مع أحد موجهي المدرسة الذي تعرضت من قبله إلى بعض الأذى نتيجة شكوى تقدم بها إلى إحدى الجهات الأمنية متهماً إيّاي على أنني أخليت بالأدب، وتجاوزت الخطوط الحمراء بسبب إصدار مجلة حائط ضمّنتها بعض أفكاري، مدعياً إساءتي في ما كتبته من منشورات في المجلة، وما يمكن أن يكون ممنوعاً من النشر، وبعد جدال تم إلغاء المجلة وعدم الأخذ بها ووقف نشرها في بهو المدرسة التي انتهيت من إعدادها مع عدد من الطلبة الأصدقاء، وكان موجه المدرسة المسؤول هدّدني بالاعتقال والنيل مني، وأنّه سيقدّم بي شكوى للجهات المعنية نتيجة تصرفي، وسيفصلني من المدرسة إن آجلاً أم عاجلاً.. والسبب هو عدم إبرازي صورة القائد الخالد رئيس الدولة، بالحجم الذي يريده على حساب المساحة المقررة لبقية المواد في المجلة، وعدّ رفضي تحدّياً له وللسلطة، فأعلن حربه عليّ للنيل مني، أو الإبعاد والانتقال خارج صفوف المدرسة.. وهذا أقلها.

ونتيجة علاقاتي الخاصة ومعرفتي بأحد المسؤولين ذوي الشأن فضلت الانتقال إلى مدرسة جديدة، تخوفاً في حال بقائي في المدرسة الأولى من أن ينعكس ذلك على مستقبلي الدراسي، وأن يدخلني السجن، وأنا ما زلت طالباً في أولى ثانوي..

في الصف العاشر الثانوي، كانت تربطني علاقة طيبة بالأستاذ موسى الحمد عضو قيادة فرع الحزب رئيس مكتب الشبيبة والرياضة الفرعي في حينها، وكان إنساناً محترماً ومتزناً، وطالما يُفاخر بأبناء بلده، وكان يشجعني بصورةٍ دائمة على الكتابة الصحافية، وكثيرة هي المواقف التي لم يكن يُقصّر فيها البتّة لأجل نجاحي، وتراه أكثر ما يشجّع الشباب ويسهر على راحتهم، ويقوّم اعوجاجهم، ويذلل الصعاب التي تقف حجر عثرة في طريقهم، سواء بالنسبة لمن لديه الرغبة في ممارسة الأعمال الفنية، الرياضية، الصحافية، وغيرها من الفنون الأخرى.

وكنت قبل تلك الفترة، وأنا في سنّ مبكرة، وأظن ذلك في الصف الثامن الإعدادي، زرته في مكتبه وأجريت معه حواراً خاصاً لجريدة "الموقف الرياضي" الصادرة عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر، ونشر الحوار، وما كان من الأستاذ موسى إلاّ أن شكرني على جهدي وقتها، كما ساعدني في كثير من القضايا والمسائل التي كانت تعترض طريقي، فكان يذللها على الفور بمخاطبة الجهات المعنية، وعندما جئت إليه عارضاً عليه مشكلتي مع موجه المدرسة، ورغبتي في الانتقال إلى ثانوية أخرى، واجه المشكلة بكل حزم، واتصل بإدارة المدرسة وطلب منها تقديم ما بوسعها لأجل استمرار نشاطي الصحافي وتشجيعي، إلاّ أنّني طلبت منه، وألححت على عدم استطاعتي متابعة دراستي في تلك الثانوية في ظل إدارة قاسية، ويصعب معها التعامل بلين، فطلبت منه مساعدتي على النقل إلى ثانوية جديدة فأبدى موافقته، واتصل على الفور بمدير المدرسة الذي قبل طلبي، ووجهني ببعض الملاحظات..

في ثانوية عمّار بن ياسر، أكملت مرحلة التعليم الثانوي، وتعرفت على طاقمها المدرسي ومديرها وبقية الزملاء الطلاب، وفيها عشنا أجمل أيام العمر، وتعرفنا على الكثير من المدرسين الأصدقاء المرحين الذين كانوا يدرّسون كافة المواد الأدبية التي كنت أحبّها بشغف حقيقي، وكان التنافس والانضباط أكثر ما يميّز طلبتها.