في الطريق إلى السينما

08 ديسمبر 2019
+ الخط -
بينما كانت الشمس على مشارف الغروب كنت حينها برفقة صديقي التركي، اتجهنا شمالًا نحو مركز المدينة لمشاهدة أحد الأفلام السينمائية. في الحقيقة لم نذهب لمشاهدة فيلم محدد، فاختيارنا سيكون عشوائيًا حالما نصل.

ونحن في قطار الترام نتناقش حول نوع الفيلم الذي سنشاهده إذا باتصال هاتفي أتاني من أحد أصدقائي العرب. وأنا أتحدث مع صديقي بالعربية لمحت عينيّ رجل كان جالسًا في المقعد الذي أمامي ويبدو أنه خمسيني العمر، لحيته البيضاء نصفها دلت على ذلك. نظراته تقول إنه يريد أن يستفسرني عن شيء ما.

أنهيت الاتصال فسألني باهتمام: من أين أنت؟ أجبته أنني من اليمن. أخرج نهدةً من أعماق روحه ثم سألني بتأسف: ما هذا الذي يحصل في بلدكم .. هل هناك حقيقةً من يموت من الجوع كما تكشفه لنا الأخبار؟


لم أعرف بماذا أجيبه، إن قلت إنها حقيقة فقد بالغت، وإن قلت لا فقد كذبت، لذا قلت: الموت من الجوع يا سيدي ليس أن تموت لأنك لم تأكل، فقد تموت جوعًا إلى أحلامك المفقودة، قد تموت جوعًا إلى آمالك المسروقة، جوعًا إلى كرامتك التي لم تجدها، أو قد تموت حتى من جوعك إلى رؤية نصف ابتسامة على وجه زوجتك وأطفالك. لو كان الجوع يا سيدي هو الحاجة إلى الطعام لقلت لك إن الشعب اليمني أشبع الشعوب، ففيه لا يموت جائع إلى طعام، ولكن فيه يموت أبناؤه جوعًا إلى تلك الحياة الهادئة والكريمة.

في الطرف المقابل كان هناك شيخٌ وشاب يستمعان لحديثنا باهتمام. تدخل الشاب فجأة قائلًا: لماذا دائمًا العرب يحاربون بعضهم بعضا.. ألا يعقلون؟

رد الشيخ قائلًا: يا بني! إذا رأيت حربًا في أي بلد في العالم، وخصوصًا إن كان ذلك البلد مسلمًا فاعلم أن فيه من الثروات ما يخيف الأعداء من أن يستغله أهله فيسخرونه ضدهم ويحاربونهم به.. ألم تكن الحرب في العراق من أجل البترول التي ما زالت أميركا تشفي غليلها منه حتى اللحظة!

تدخل صديقي التركي قائلًا: في الحقيقة الثروات وحدها ليست سببًا كافيًا لإقامة حرب في بلدٍ ما، فقد تكون الحرب من أجل أهداف أخرى، كزعزعة أمن منطقة جغرافية مهمة حتى يستطيعون إدارة ثروات تلك المنطقة، فحرب اليمن على سبيل المثال المراد منها زعزعة أمن شبة الجزيرة العربية واستغلال ثرواتها وإشغال أهلها بهذه الحروب حتى يضمنون عدم استقوائهم يومًا ما.

أجاب الشيخ مؤكدًا: أعرف يا ولدي، لكن لماذا لا يفهم المسلمون أن حدوث حرب في إحدى البلدان المجاورة لهم تعني الخطر الكامن لبلدانهم أيضًا..

كان لا بد أن أتدخل، لذا قلت: هذا هو السيناريو الذي لا يريدوننا أن نراه أو نفهمه. لا يريدون للشعب اليمني أن يشعر بقيمة بلده.. يريدونهم أن يكرهون انتمائهم إليه ونفورهم من حمل اسمه على بطاقاتهم وجوازاتهم. يريدوننا أن نبقى أذلاء حتى يتحكمون بنا وبثرواتنا كيفما يشاءون..

لا يريدوننا أن نستقر، لأن استقرارنا يعني تطور اليمن، وتطور اليمن يعني أن تصبح دولة لها سيادتها، واكتساب اليمن سيادتها يعني أن تتحكم بثرواتها من دون تدخل خارجي وهذا ما لا يريدونه. لا يريدون لبلد مثل اليمن أن يتحكم بحركة غالبية تجارة النفط في العالم، فهم يعرفون أن أكثر من 40 في المائة من حركة النفط في العالم يمر من خلال مضيق باب المندب، ناهيك عن السفن التجارية التي تمر من هنالك نحو الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط وأوروبا.

بكل بساطة، تطور دولة مثل اليمن وامتلاكها السيادة والحكم المستقل يعنيان نقلة نوعية وتطوراً غير مسبوق لليمن، وحدوث أمر مثل هذا يعني ثورة عارمة على الحكومات الملكية الموجودة في المنطقة، لذا لا تستغربوا من استمرار الحرب في اليمن كل هذه السنوات وكل السنوات القادمة التي ستأتي.

تنهد الرجل ذو اللحية نصف البيضاء ثم قال: وما هو المخرج برأيكم بالنسبة لدولة مثل اليمن؟

أجاب الشيخ: المخرج هو أن يستيقظ الشعب اليمني من سباته العميق .. لا بد أن يعرفوا أنهم دولة لها قيمتها وثقلها في المنطقة، دولة تمتلك عقولا جبارة تستطيع أن تحكم هذا البلد الرائع بكل ما تعنيه الكلمة، لا بد أن ينكبّ هذا الشعب العظيم على قراءة الكتب حتى يفهم اتجاهات العالم الخارجي وسياساته المتناقضة؛ ليعرف موقعه الحقيقي فيحرك عجلة البلد في الاتجاه الصحيح، لا بد أن يقول هذا الشعب العظيم للعالم أنه ليس لعبة يديرها غيره وأنه مهما قست الأوضاع ومهما تغيرت الظروف سيبقى يحب اليمن ويفتخر بانتمائه إليه ويضحي من أجله.

كانت رغبة صديقي التركي ملحة لمعرفة الكثير عن تاريخ اليمن والطوائف الموجودة فيه فقرر أن نغير من برنامجنا ذلك اليوم، فذهبنا نحو أحد المقاهي لتكملة ما تحدثنا عنه سابقًا.