في السينما... العمل الميدانيّ أبلغ من النيّة

22 يوليو 2019
الصورة
الحكيم بلعباس أثناء تحضيره عملاً جديداً له (العربي الجديد)
+ الخط -
يتعرّف الناقد على الميدان وتعقيداته، ويستأنس بممارساته. يربط الفكر بالممارسة. "الفعل مُتفوّق على الإدراك العقلي والفكر الإدراكي النظري" ("موسوعة لالاند"، ص. 479). يعيش الناقد جدلية النظرية والممارسة. الممارسة تخلق الفكر. الفكر عصارة الممارسة. تجاوز كارل ماركس الفلاسفة، لأنه كان يُمارس فلسفته ("براكسيس"، في منظمة الأممية الأولى في لندن، 1864).

يقف الناقد على حيثيات صناعة "الصلصة السينمائية"، قبل أن يعلّق عليها عند تناولها أثناء العرض. الانخراط في الممارسة يُشفَى من التنظير المتعالي، ومن إطلاق أحكام عمومية. يتخلّص الناقد من يقين التأثيرات السارترية والماركسية في قراءة الأفلام. يتخلّص من أثر الأسلوب الأدبي، ومِمّا يعشِّش فيه من استطراد وبلاغة واستعارة وسجع وجناس.

يعلّم غابرييل غارسيا ماركيز كاتبَ السيناريو كيف يُهيّئ ضربة مؤثّرة. حضور التصوير يسمح للناقد أنْ يرى كيف يطبخ المخرج ضربته هو أيضًا.

يكتشف الناقد علاقة الصدفة والارتجال بالإبداع. أثناء التصوير، تقع صدف كثيرة، وتظهر تفاصيل تقوّي الفيلم أو تُضعفه. عندما يكون المخرج ضعيف الثقافة، تجرّه بعضُ الصدف بعيدًا عن فيلمه. عندما يكون مثقّفًا، حاضر البديهة ومُلمًّا بموضوعه ومُتعمقًا فيه، تفتح الصدف له آفاقًا جديدة.

حضور البديهة وانتهاز الصدف في الفن يجنيهما المخرج بعد بذله جهدًا كبيرًا. يُحرّر الناقد ما تلتقطه العين. يرصف الكلمات، بينما يكتب المخرج بحبر الضوء الذي تلتقطه الكاميرا. ما يجري في الجماجم لا تلتقطه الكاميرا. هكذا، على الناقد أن يعي ويتعلّم عبور الهوّة بين اللغوي والمرئي، وأن يستوعب الفرق بين التفكير بالصورة والتفكير باللغة. اللغة عائق يُبلبِل ويهدم. الصورة جسر لا يُبلبل. لغة النحل حركات لا أصوات. السينما كذلك.

بحسب بحثٍ في "الأنظمة السيميائية وتفكيك العلامة المرئية"، أنجزته مجموعة "مو" في "مركز الدراسات الشعرية" (جامعة لياج، بلجيكا)، "تبقى الأنظمة السيميائية، رغم كثافة معلوماتها، أقلّ تشفيرًا من اللغة". نتيجة قلّة التشفير، يزيد كمّ المعلومات التي يتلقّاها المتفرّج من الوسيط المرئي، الذي يقدّم للعين سبعة أضعاف المعلومات التي تقدّمها اللغة للأذن (مجموعة "مو ـ بحث في العلامة المرئية من أجل بلاغة الصورة"، ترجمة سمر محمد سعد، "المنظمة العربية للترجمة"، بيروت، الطبعة الأولى، 2012، ص. 81).

نتيجة هذا الاكتشاف، على السيناريو أن يكون أكثر سمكًا وكثافة (سبع مرات) من النص الموجَّه للقراءة، كي لا يُهيمن الخواء على اللقطة. هكذا، يُدرك الناقد، الذي يحضر التصوير، تعقيدات اللغة السينماتوغرافية. هناك فرق هائل بين التواصل اللساني والمرئي. ربما يندهش الناقد من أنّ مُصوّرين سينمائيين كثيرين لا يدركون هذا الفرق.



يتعلّم الناقد أشياء كثيرة عند حضوره ورشات الرسم، حيث يحلّ الرمز مكان اللغة. يكتشف مثلاً أنّه لا يعرف الدائرة اللونية ودلالاتها. يقول غوستاف فلوبير: "على الكاتب أنْ يفتح عينيه كالرسّام". على الناقد أنْ يفتح عينيه كالمخرج. يتعلّم الناقد أن يحلّل، كسينمائيّ. يقتنع أنه بدلاً من أنْ يشتغل منزويًا في مكتب، مُستمتعًا بعزلته، يقف (مُجبرًا) أكثر من 10 ساعات وسط أشخاص لا يرتاح إلى بعضهم، لكنه مُلزم بالتعاون معهم.

ما الذي يُنتجه النقد والتفلسف؟ يُنتجان التجريد والتعميم والمفهمة. ما الذي يُنتجه الفن؟ التجربة. إنّه يعانق المعيش الحسي المضمر، لا التحليل التقريري المُبرهن عليه.

هناك فرق بين الناقد الذي يحضر التصوير ويختلط بالسبّاحين، والناقد المتمترس في مكتبه، أو الواقف على الشاطئ ينصح السبّاحين من دون أن يتبلّل في الـ"براكسيس".

قارن هنري كيسنجر بين المحلّل والسياسي. الفيلسوف يحلّل، بينما السياسي يبني. الأول ينتقي المشكلة التي يُحلّلها، ويُقرّر متى ينهض لدراستها. المخرج كالسياسي، يبني تحت ضغط الزمن، ويواجه المشكلة "هنا الآن"، في ظروف لا ترحم. المخرج مُنشغل بتدبير ضرورات اللحظة، تحت وطأة أجندة وميزانية لا ترحمان. في هذه الظروف، يكتشف الناقد أن المخرج العصبيّ، الذي يفتقد الكاريزما، يفشل في إدارة الضغوط، ولا يستخرج شيئًا من فريق التصوير والتمثيل.

على الناقد أن يحضر التصوير كناقد لا كملحق إعلامي لشركة الإنتاج، لذا، لا بُدّ من التمييز بين ناقد سينمائي وملحق إعلامي. حين يُعين ناقد سينمائي ملحقًا إعلاميًا لشركة إنتاج، بصدد فيلم ما، عليه أنْ يذكر ذلك، أخلاقيًا. أما أن يكتب عن الفيلم كأنه لم "يُغمِّس في صحن المنتج"، فهذا نصب.

قبل توجيه نقدٍ شديد شامل لأفلام بلده، يجدر بالناقد أن يتبيّن الفرق بين التصوير منذ 30 عامًا والتصوير بتكنولوجيا حديثة، وبين المونتاج على الـ"مافيولا" (آلة المونتاج في القرن الماضي) وبين المونتاج الرقميّ.

يجعل الميدانُ الناقدَ يكتشف ما إذا كان الـ"كاستينغ" مُلائمًا للدور، أم أنّه عائلي كومبرادوري، يتصرّف فيه المخرج كزوجٍ أو عاشقٍ أو تاجر. يُمكن لعلاقة عاطفية أن تكون مُفيدة للفيلم في نصفه الأول. لكن، حين يخترق التوتر تلك العلاقة، تتضرّر أجواء التصوير.

يكتشف الناقد خطر أن يكون المخرج مُنتجًا أيضًا. يناقش التقطيع، ثم يأتي من يسأله عن شراء الطعام. المخرج الذي يتصرف كمنتج، تتنازعه وساوس الربح. يفكّر كيف يقلّل التكاليف أكثر مما يهتمّ بنقاء صُوَره وغناها. في هذه الظروف، يكتشف الناقد الفرقَ بين نوايا المخرج المُعلنة وما يحصل عليه من التصوير.

في السينما، العمل الميداني أبلغ من النيّة.