في التناظر على رئاسة تونس

05 سبتمبر 2019
الصورة
+ الخط -
ازدهر فنّ المناظرة على نحو منقطع النّظير مع صعود الدّيمقراطيّات الحديثة، وذلك مع اتّساع أفْضية التّعبير، وتعدّد مجالات التفكير ومنابر الرّأي ومنتديات الحوار في مجتمعات سُمّيَت الدّولة فيها بدولة حقوق الإنسان والحرّيات العامّة، ودولة الرّأي والرّأي الآخر. وتحمل المناظرة معنى المحاورة والمباراة في النّظر، واستحضار ما يراه كلّ طرف في مسألة ما. وجاء في لسان العرب: "المناظرة أن تناظر أخاك في أمر إذا نظرتما فيه معًا كيف تأتيانه (...) والتناظر: التراوض في الأمر. ونظيرك: الذي يراوضك وتناظره (...) وناظره من المناظرة (...) ناظرت فلانًا أي صرت نظيرًا له في المخاطبة". وبذلك فالمناظرة هي حدث لغويّ تفاعليّ، منظّم، يتيح المجال للنّقاش حول مشكلة ما وتشخيص كيفيّات تمثّلها، وطرائق فهمها ومعالجتها، وهي مناسبةٌ لعرض وجهات نظر متباينة حول مسألة ما. وتمخضت المناظرة السياسيّة في الاصطلاح اللّغوي الحديث للدّلالة على إدارة "حوار رسمي" بين طرفين فأكثر بشأن مسائل حيويّة تهمّ الشّأن العامّ لمجتمع ما في فترة زمنيّة ما، وتكون غالبًا مقترنةً بحدث الانتخاب أو التّصويت على قرار خِلافي، أو على سياسات معيّنة في أيٍّ من مجالات الحياة المدنيّة.
ومن المهمّ في السياق الرئاسي المشهود في تونس هذه الأيّام تفعيل فنّ التناظر، ذلك أنّ المناظرة فضاء كلامي/ برامجي قادح للجدل، وهي مناسبةٌ للتعبير يُفترض أن تجمع بين مُرشّحيْن للرّئاسة فأكثر، يتنافسان في فهم الواقع المجتمعي، وتحليل الظّواهر العمرانية المتعلّقة بالفرد أو الجماعة على نحو مخصوص، فيستدعي كلّ طرفٍ ما استطاع من أقطار الكلام وأساليب البيان والحِجاج ليبيّن سداد رأيه، وسلامة موقفه، وجدوى برنامجه في إدارة مؤسّسة الرّئاسة ومتعلّقاتها، ويبرز محدودية رؤية غيره في هذا الخصوص. والمُراد ليس ترجيح رأيٍ على آخر فحسب، بل المراد النّهائي استمالة المتقبّل والوقوع موقعًا حسنًا من قلوب الخاصّة والعامّة. والتّباري في ميادين السياسة والخطابة من أجل الفوز بكرسي الرّئاسة هو من أشكال التّدافع الحضاري في قراءة الواقع حاضرًا وماضيًا ومستقبلًا، وهو أيضًا مجال للتنافس السّلمي على كسب ثقة النّاس باعتبار أنّ غاية التناظر هي إفحام الخصوم من ناحية، وإقناع المتلقّي المتابع للمناظرة بوجهة نظر ما، في شأن ما، من ناحية أخرى.
والمناظرة عمومًا، والمناظرة الرّئاسية خصوصًا، فرصة للتّفكير والتعبير وتكريس ثقافة 
الاختلاف، لقيامها على خطابين متباينين أو أكثر يصدران عن طرفين مختلفين أو أكثر. والمُرام التداول على الكلام في الشأن العام من وجهات نظر مختلفة، خصوصا إذا تعدّدت الأفْضية المرجعية للمتناظرين، فينمو نتيجة ذلك الخطاب الجدالي، ويتوالد بفعل تبادل الأدوار الكلاميّة بين المتنافسين، وهي أدوارٌ حمّالة مواقف، تُمايز بين المرشّحين للرّئاسة. ومعلومٌ أنّ نسق الخطاب يتطوّر حسب قانون الفعل وردّ الفعل، ويُخبر بتوجّهات كلّ مرشّح، وأدواته الحجاجية، وطاقاته الإبلاغية، ومقارباته في فهم الواقع وإمكانات تطويره. فالمناظرة مقامٌ يسمح بالتفاعل بين المرشّحين وجمهور النّاخبين المُفترضين، ويفتح المجال وسيعًا لتبادل الأفكار، والبرامج ومقارعة الحجّة بالحجّة، فيتمّ إنتاج الخطاب بغرض التعبير عن الذّات، وإيضاح الرّؤى ومناقشة الخصوم، ويُفترض في المتكلّم أن يعرف سياسة البلاغة وتقنيات التواصل، وأن يُدرك كيف يقنع المنافسين بالحجّة، ويُطبقهم بها. والعلاقة بين فنّي التناظر والمحاجّة ضروريّة منطقيّة، حتّى إنّ كلّ مناظرة هي حِجاج بالضرورة. لذلك يفترض في المناظر التمكّن من أسباب البيان وأسباب البرهان وتوجيه المقال وفق مقتضيات المقام. ومن المهمّ أن يكون قادرا على الوصل بين الأطروحة ومستنداتها، وبين الأفكار ومتعلّقاتها، وبين الأحكام والمقدّمات الناظمة لها. وليس المراد من ذلك أن يبلغ مبلغًا عظيمًا من التأثير في النّاس فحسْبُ، فتكون الأعناق إليه أميل، والنّفوس إليه أسرع، والعقول عنه أفهم، والعلوّ على المنافس أضْمن. بل المراد أيضا أن يُحسن، في حال فوزه بالرّئاسة، تمثيل البلاد والدفاع عن مصالحها في المحافل الوطنية، والإقليمية، والدولية. كما أنّ فصاحته، ورجاحة رأيه، وقوّة حجّته ذات قوّةٍ تأثيريةٍ يُمكن أن تُقنع الفرقاء داخل الوطن، وتدفعهم إلى التوافق بدل التنافر، وإلى التعاون والتواصل بدل الاستقطاب والتنافي، لأجل حلّ معضلات البلاد المتعدّدة، وتحقيق النهضة الشاملة المنشودة.
وتكمن أهمّية المناظرة الانتخابية في أنها علامة على دمقرطة الاجتماع السياسي، ودليل على جدّية التنافس على الاستحقاق الرّئاسي، وهي حالةٌ مشهديةٌ جدالية، مكثّفة، تسمح باستجلاء ملامح المرشحين للرئاسة في مستوى حضورهم الركحي، والذهني، والتعبيري، والبرامجي. وتكشف للمتقبّل مدى ما يتمتّعون به من كاريزما، ومن قدرةٍ على الفهم والنقد، والتمثّل، والاستشراف، وكذا مدى وعيهم بصلاحيات الرّئيس ومحامل الدستور التونسي في هذا المضمار. وتتيح المناظرة التلفزية، أو الإذاعية المباشرة، للمنشّط طرح أسئلة على المتسابقين على الرّئاسة، غالبا ما يتفادون إثارتها في محاوراتهم النمطية وخطاباتهم التقليدية الموجّهة إلى أنصارهم، من قبيل: هل ينوي الرئيس المحتمل التخفيض في مرتّب رئيس الجمهورية؟ هل 
سيعرض للعموم ملفّه الطبّي؟ أتُراه سيعجّل بتنصيب المحكمة الدستورية؟ وهل سيطرح مبادراتٍ تشريعية لتعديل قانون الطوارئ وإلغاء الحصانة البرلمانية والرئاسية؟ وما موقفه من النزاع في ليبيا ومن الأزمة الخليجية؟ وهل سيعمل على التسريع في تنفيذ مُخرجات العدالة الانتقالية؟ أتُراه يتعهّد بتخفيض عدد مستشاريه، وبعدم تعيين أقاربه وأفراد أسرته في مناصب عُليا؟.. هذه الأسئلة وغيرها تمكّن الجمهور المتقبّل من فرز المرشحين للرئاسة، والتمييز بينهم، واستجلاء تصوّراتهم التفصيلية لكيفيّة إدارة هذا التكليف الجلَل. لذلك من المهمّ بمكان تسريع وتيرة التنسيق بين الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات، والهيئة العليا المستقلّة للاتصال السمعي البصري ووسائل الإعلام العمومية والخاصّة ومكوّنات المجتمع المدني لتنظيم مناظراتٍ جادّة بين المرشحين للرئاسة في الدورين، الأوّل والثاني، تُبث، في الوقت نفسه، على أقنية وطنية وعربية، ويُشرف على إدارتها إعلاميون محترفون، محايدون، أكفاء، على نحوٍ يُساهم في تجلية "بروفايلات" وملامح المتسابقين على الرئاسة وبرامجهم، ويسمح للجمهور المتابع باختيار الشخص المناسب في المكان المناسب.
يمكن القول، ختاما، إن المناظرة فعل تواصليّ وحدث تفاعلي ديمقراطي، وخطاب بياني حِجاجي، يستدعي بمقتضاه كلّ متناظر حُججا يستدلّ بها على جدارته بالرّئاسة، وقدرته على الدفاع عن تفاصيل برنامجه، وتأمين التفاعل البنّاء مع الآخر. وهي إلى ذلك حدث فارق، يُصبح معه الكلام خطابًا موجّهًا، ومنجَزًا لغويًّا دالاًّ، معبّرًا، يتقصّد الإقناع، ويروم التعبير عن الذات، وإيقاع التّأثير في المتلقّي. والمناظرة الرّئاسية فضاء للاختلاف بين طرفين فأكثر، حول مسائل تتّصل بسياسة النّاس وتدبير شؤونهم، وترتيب أحوالهم، وإدارة عمرانهم. ونجاح تونس في تنظيمها سيزيد من إشعاع التجربة الديمقراطية الوليدة، ويكون خطوةً جديرةً بالاحتذاء في سياق عربي.