في البدء كان الارتجال

05 أكتوبر 2019
الصورة
شمس الدين غازي/ إيران

لم يَدَعِ المتنبي موردًا من الموارد التي يختلف فيها الناس يعتبُ عليه: اختلفوا في ولادته ونسبه، كما اختلفوا في ملابسات مقتله، وفي طباعه، وفي عقيدته وفي نبوّته، وغيرها وغيرها، وبطبيعة الحال اختلفوا في شعرِهِ ــ لغةً ومعانيَ، وبطبيعة الحال لم يزد اختلافهم المتنبيَ إلّا عزّة بنفسه، وغلوًّا بها، وشماتة بـ«الخلق»:

أنامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِها وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاها وَيخْتَصِمُ

ولكنّ المتنبي المطمئنَّ إلى سلطانه وجبروته لم يكتف بالنَّوْمِ السُبات بل ذهب إلى ما هو أبْعَدُ منه يوم أن اصطفى مفسّره في شخص ابن جِنّيّ. فمما يَرِد في الأثر أنّ المتنبي كان يحيل كلَّ من يراجعه في مسألة لغويّة أو في تفسير شيء من شعره إلى «الشيخ الأعور»، ابن جنِّي، بوصفه المِظِنَّةَ النّاطقة: «سلوه، فإنَّه يقولُ ما أرَدْتُ وما لم أُرِد».

لقد تُحمَلُ فتوى المتنبي هذه على محمل الطُرفةِ، ولقد تُحمَلُ على محمل التبجيل، غير أنَّ التأمّل فيها، في ما يتجاوز ما كان بين المتنبي وابن جنّيّ، لا يلبث أن ينزلها منزلة البيت من قصيد العلاقة، السرّيّة أحيانًا، الغامضة أحيانًا أخرى، الملتوية دائمًا، بين «المكتوب» و«المقول». مُفادُه ــ ولهذا المُفادِ أن يُصَرَّفَ على أنحاء شتّى لا بأس أن نبدأ بأبسطها ــ هل لصاحب القول، سواء أكان إثباته بالكتابة ابتداء أم كان إثباته بها من باب الحفظ والتوثيق، الوِلايةُ على كلّ المعاني التي يمكن أن تُخَلَّصَ من قوله ذاك؟

لا شكّ، ليس كلّ صاحب قول برباطة جأش المتنبي فيَكِلُ إلى وزير معانيه لا أن يُفَسّرَ فيرفَعَ الحُجُبَ ويُسْفِرَ عما أراد، بل أن يضيف إلى قوله ما لم يرد هو، على بيّنة من أمره، منه، غَيْرَ أنَّ كلَّ صاحب قول، مهما بلغت أثَرته بما يُنسب إليه، رهينٌ، عاجلًا أم آجلًا، بما لا يملِك عليه من تفسير وتأويل، أي من معانٍ تضاف على نصه فتزيد من قدرِه، رافعة إياه أحيانًا أعلى عليّين، أو تُنْقِص منه، حاطّة به أسفل سافلين.

يصحّ هذا التسلسل (المنطقيّ)، للوهلة الأولى، على كل «مكتوب»؛ أعني على كلّ قول قد يتلبّس لباس «المكتوب» ــ بالمعنيين طَبْعًا: على كلّ قول مدوّن موثّق، وعلى كلّ قولٍ اكتسب صفة الأمر الواقع الذي لا رجوع عنه. غير أنَّ الأمْرَ لا يجري دائمًا هذا المجرى، بل ترى الأمر يبدأ في مكانٍ آخر، أعلى وأسبق: قد تراه يبدأ في تلبّس القول لباس المكتوب أي المؤبّد.

يُسرِع إلى الخاطر أول ما يسرع القرآن وتدوينه. فلنتذكّر: تريدُ الرواية، بصرف النظر عن صحّتها، أنَّ عُمَر أشار على أبي بكر بضرورة جمع «الوحي» بعد معركة اليمامة التي قُتل فيها، في عداد من قُتل، طائفةٌ كبيرةٌ من الصحابة القرّاء. صحيح أنّ محاولة أبي بكر هذه قد باءت بالفشل، وأنَّ القرآن انتظر ليُجمع جمعًا نهائيًّا الخليفة الثالث عثمان، بيد أنّ العبرة في الداعية إلى إثبات النص وإحكامه لا في النص نفسه: لولا أنَّ «القَتْلَ قد اسْتَحَرَّ» لما اطمأنَّ أبو بكر إلى سداد النصيحة العُمَريّة ولما نزَل عندها.

فلنتذكّر: تريد الرواية أيضًا، وبصرف النظر عن صحّتها، أنّ عثمان، الخليفة الثالث الذي يُنسب إليه جمعُ القرآن، قُتِل ومُصحُفه في حِجره يتلو فيه، وأنَّ هذا المُصحف اصطبغ بقطرات من دم عثمان عندما «مضى السَّيْف في حبل العاتق» منه فقُتل. ليس القرآنُ الشاهدَ الوحيدَ على الصلّة الوثيقة الحميمة بين الموت، الجماعيّ والفرديّ، والكتابة، ولكنه، لربما، الشاهد الأعْجَبُ على ما يمكن لهذه الصلة أن تدومَه وأن تمضيَ فيه، بل على ما يمكن لهذه الصلة أن يُكْتَبَ لها من حياةٍ مديدة قائمة بنفسها.

بعد فراغ الكتَبَةِ الذين عهِدَ إليهم عثمان بتدوين القرآن من مهمّتهم، باشر عثمان بإنفاذ نسخٍ من هذا «الكتاب» إلى الأمصار. وليستقيمَ لهذا الكتاب أن يكون الكتاب، أمر بما سواه أن يُحرق، وتأكيدًا على إمامته، وعلى إمامة الكتاب، أرفق عثمان دعوته هذه بـ «إني قد [...] محوتُ ما عندي، فامحوا ما عندكم».

لا يحتاج فعل «المحو» إلى مزيد تَوَسُّعٍ في معانيه ليؤول على معنى «القتل» ومرادفاته... مجدّدًا: هل الموت، سيان قَتْلًا أو محوًا، شرط العبور من «المقول» إلى «المكتوب»؟ لقد يُظنُّ أنّ القرآن نسيجُ وحده في هذا الباب ولكنّ الحقيقةَ غيرُ ذلك ــ أو تكاد... فلنعدْ إلى المتنبي: أليس أنَّه، هو، من غربل شعره، فاطَّرَح منه ما اطَّرَح، وأبقى ما أبقى؟

لا يُستبعد، على هديٍ من سيرة المتنبي، الواضِحِ منها ومن مراحلها والغامِض، أن تُحمَل غربلتُه لشعره على محمَل المحاكاة لما كان من إحْكامٍ للمتن القرآنيّ، إثباتًا ومحوًا، ولا شطط، على هدي من تلك السيرة، في أن يُرى إليها على أنَّها غار العِصْمة الذي كلّل به المتنبي نفسه وشعره مَعًا مؤكدًا جمعَه بين «النبوّة» (الشِّعريَّة) المرسلة بلا قيد أو شرط، وبين «السلطان» (الدنيويّ) على نص «الرسالة» التي جاءت بها هذه النبوّة ــ لا يُستبعَد ذلك، ولكنّ الأصل، سواء أصحَّ ما نذهب إليه أم لم يصحَّ، أنَّ الكتابة، في مكان ما أو أكثر، لا تنفصل عن ضدها، والضدُّ منها هنا ليس القول وإنما المحو والإزالة والاطّراح... ــ لا تنفصل عن قتلٍ ما، أو عن شيء ما في حُكم القتل.

تريد الرواية أنّ داعية عثمان إلى تثبيت المتن القرآنيّ وإحكامه ما نقله إليه حذيفة بن اليمان، «وكان يُغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق»، من فزعٍ وخوفٍ مردّهما ما وقف عليه من اختلاف أهل هذه الأمصار في القراءة... «يا أمير المؤمنين ــ قال حذيفة لعثمان ــ أدْرِك هذه الأمّة قبل أن يختلفوا في الكتاب».

سمع عثمانُ لحذيفةَ، واستعمل سلطانه الدنيويّ، وسلك الوحي المتفرق بين الناس في سلك واحد واصطنع منه كتابًا واحدًا لا شريك له، وسيّر الكتاب في الناس مؤمِّلًا أن يستعليَ الكتابُ على الاختلاف، أي على الرَّأي، أي على القَوْل... كان لعثمان ما أراد، وسار الكتاب في الناس، ولكن سرعان ما تبيّن أنَّ تَقييدَ الوحي وضيَّهُ بين دفَّتَين أوَّلُ أمْرٍ جديد لا آخِرُ الأمر... فحقُّ الكتاب أن يُقرأ، والقراءةُ استئنافٌ لا مُتَناه للمكتوبِ، فكيف إذا كان المكتوب وَحْيًا؟

وهكذا، على غير قصد، إن جاز القول، ممن يُنسب إليه جُمع القرآن واصطناعُهُ كتابًا، بالمعنى الحرفيّ والمجازيّ للكلمة، صارت قراءة هذا الكتاب استئنافًا للوحي بحدِّ ذاته، ومن يقل «اسْتِئْنافَ الوَحْي» يقل، وإن ردّه الخجل عن التصريح بذلك، استئناف «الحرب» التي رافقت نزول الوحي ثم غلبَتُه وتسيُّدُه ــ مع هذا من الفارق أنّ ملعب الحرب وميدانَها بات الكتابَ نفسَه، وأنّ ما يُفرِّق المشاركين فيها، ويستعدي بعضهم على بعض، هو ما يجمعُ بينهم: أنّهم قرّاء الكتاب نفسِه... بالطبع، ليس القرآنُ الكتابَ السماويَّ أو الأرضيَّ الوحيدَ الذي يصحّ أنْ تُنسب إليه حروبٌ أهليّة أو دينيّة أو أهليّة/ دينيّة.

فمع شيء من المبالغة، ومع شيء من التوسّع في فهم المقصود بـ«الحرب»، يمكن تعداد العشرات، بل المئات، من الكتب التي أشعلت حروبًا حقيقيَّة أو افتراضية ــ ولأن الشيء بالشيء يُذكر، لا بأس من التذكير بأن ديوان المتنبي، «معجز أحمد» على ما وصفه المعريّ، كان أحد هذه الكتب. من ثم، لا غرو على الإطلاق في عالم تطلق فيه من النيران الحقيقية مقدار ما يطلق من نيران افتراضيّة، ويسيل فيه من الدم الافتراضيّ مقدار ما يسيل من دم حقيقيّ، أن تعود الأسئلة على بَدئها: في البَدء كان ماذا؟ فإن صح أنَّ «الكلمة» هو ما كان في البدء، فيا ويلها من كلمة، وإن لم يصحَّ، ولم يعدُ الأمر إلا أن يكون ارتجالًا بشريًّا لا ضابطَ له ولا قصد إلا المزيد من الأمر نفسه فيا خوفي من الارتجال!


* روائية وناشرة لبنانية