في الاختلافات بين فلسطين وجنوب أفريقيا

19 يونيو 2020
الصورة
يحظى النضال الديمقراطي الجنوب أفريقي بإشادة وإعجاب كبيرين على المستوى العالمي، ولا سيما في أوساط الشعوب المظلومة والمقهورة الساعية إلى استعادة حقوقها المسلوبة بفعل قوى خارجية أو داخلية. وذلك مردّه عوامل كثيرة، منها على سبيل الذكر: النجاح في إسقاط نظام الابارتهايد الحاكم في جنوب أفريقيا، والتأسيس لنظام ديمقراطي يستند إلى مواطنة كاملة، لا تميز بين أيٍّ من مكونات البلد العرقية أو الإثنية في الحقوق والواجبات. وكذلك بحكم سيادة نهج النضال السلمي الذي يُعلي من القيم الإنسانية ويصونها على سائر الأشكال النضالية الأخرى، ما يحدّ من الخسائر البشرية، ويرفع من قيمة الحياة البشرية، بل ويصونها أيضاً. وأخيراً بتأثير برنامج النضال التحرّري والتقدمي والإنساني الذي يحمل في طياته معاني وقيماً سامية.
لذلك، كان لنضال جنوب أفريقيا مكانة خاصة في أوساط الشعب الفلسطيني، الساعي إلى استعادة حقوقه المسلوبة، ولا سيما في ظل تشابه ممارسات الفصل العنصري الصهيونية مع التي كان يمارسها نظام الأبارتهايد الحاكم في جنوب أفريقيا. وهو ما دفع بعضهم، أو ربما كثيرين، إلى مطالبة الفلسطينيين بمحاكاة تجربة نضال الأفارقة في ركائزها الرئيسية الثلاث، وهي الطرح الديمقراطي على قاعدة صوت واحد لكل شخص (one man one voice)؛ ومركزية النضال السلمي، وتصدّره المشهد النضالي بصورة شبه وحيدة؛ وتحديد الهدف النضالي بإسقاط نظام الأبارتهايد أو القضاء عليه. وهي مطالب محقة في الجوهر، إن أخذت بالاعتبار مواطن الاختلاف بين القضيتين العادلتين، وهو ما يعمل هذا المقال على توضيحها.
من السهل علينا تلمّس أوجه التشابه العديدة بين ممارسات الفصل العنصري وآلياته التي كانت 
حاصلة في جنوب أفريقيا ونظيرتها القائمة اليوم على أرض فلسطين، لكنه تشابه جزئي فقط، أي لا يعبّر عن كامل المنظومة المسيطرة على أرض فلسطين، إذ لا يمكن تهميش أو تجاهل - كما يحصل في بعض الأحيان - طبيعة الكيان المسيطر الجوهرية، المتمثلة بممارسات التطهير العرقي بحق الشعب الأصلي، وبحق ذاكرة الأرض المكانية والهوياتية. فالأبارتهايد أو الفصل العنصري يعتبر أحد التجليات أو البدائل أو الممهدات الضرورية لاستئناف التطهير العرقي. لذا، لا يعكس وصف نظام الأبارتهايد مجمل طبيعة الكيان الصهيوني الرئيسية، ولا حتى ممارساته الإجرامية اليومية بحق جميع الفلسطينيين داخل مناطق 48 وخارجها. أما جنوب أفريقيا، فلم تعانِ من هذه الآفة، أو على الأقل لم تكن آفةً جوهرية، بل كانت نتيجة الممارسات العنصرية التي كانت سائدة قبل إسقاط نظام الأبارتهايد، بينما نعاني في فلسطين من العكس، أي إن جوهر المعضلة ناتجٌ من ممارسات التطهير العرقي التي تلجأ أحياناً إلى فصل عنصري، يمهد الطريق أمام عمليات تطهير عرقي جديدة.
وهو ما يتبدّى بعدم اعتماد الكيان في نشوئه وتوطيد نفوذه على استغلال سكان البلاد الأصليين؛ الفلسطينيين؛ مادياً ومهنياً، بل على العكس يسعى الكيان إلى استبدال سكان فلسطين التاريخيين؛ أي الشعب الفلسطيني؛ بمهاجرين يهود؛ قادمين من دول أو ظروف معيشية صعبة، بغرض تسخيرهم لأغراض بناء دولته المنشودة ومؤسساته الحيوية، عبر عمالة يومية أو منظمة ذات دخل محدود، تحدّ من حاجة الكيان إلى اليد العاملة الفلسطينية، وهو ما يتمثل في المهاجرين الأفارقة اليوم. وذلك ناتج من طبيعة الكيان الإقصائية الرافضة للاعتراف بالوجود الفلسطيني أصلاً، والساعية إلى محوه كلياً. لذا، نجد أن ممارسات الكيان العنصرية تسعى إلى تهجير الفلسطينيين، ودفعهم إلى ترك الأرض، بصورةٍ تناقض أهداف الأبارتهايد الحاكم في جنوب أفريقيا، والتي تتمثل في استغلال سكان البلاد الأصليين واستعبادهم، فالاستغلال والتمييز العنصري ظاهرة عنصرية بغيضة، إلا أنهما من مظاهر الإقرار بوجود الآخر، ولو بمرتبة دونية، وهو ما يعمل الكيان على عدم حدوثه؛ أي الاعتراف بالآخر؛ لذا فهو يزاوج دائماً بين ممارسات فصل عنصري وتطهير عرقي بمستويات متباينة، وفق الزمن والمرحلة والوضع الدولي، وبما يخدم التخلص من أي أثر فلسطيني.
كما يعبّر مصطلح نظام الأبارتهايد الجنوب أفريقي عن نظامٍ دخيلٍ على الدولة والسكان الأصليين، استخدم وسائل وأساليب فصل عنصري تخدم غاياته ومصالحه الفردية والجماعية، من دون 
المساس بالأرض، أو بالأصح من دون المساس بالدولة بوصفها هوية جامعة، أو حتى بوجودها، ومن دون المساس بحق السكان الأصليين في البقاء داخلها مواطنين أدنى مرتبة، وبحقوق مجتزأة ومحدودة تكاد تكون معدومة، فهو لم يستهدف ذاكرة المكان بشكل مقصود وممنهج. لذا، يصح وصمه بمصطلح النظام، لكونه وصفاً لطبيعة الطبقة أو الجماعة السياسية المسيطرة بمرحلة محدّدة على دولة محدّدة، ومعروفة لا خلاف حول هويتها السياسة، أي الاسم وما يمثله من رمزية تاريخية وتوثيقية، وما يترتب عليه من تعريفاتٍ لاحقة، كالشعب والحدود والهوية الوطنية والقومية... إلخ من قضايا ذات صلة.
بينما نشهد في فلسطين، كما أسلفنا، نفياً مطلقاً وكاملاً لتاريخ الأرض والشعب الفلسطيني، نفياً يحاول الكيان من خلاله تحديد نقطة انطلاق جديدة لكيان جديد يعلن قطيعة للمكان مع ماضيه وحاضره، ويرسم صورةً متخيلة عن ماضٍ يخدم التصور الجديد بمعنى الدولة المحدثة، وهو ما يدفعه نحو ممارسة تطهير عرقي دائم، يفرغ المستقبل من قدرته على فضح الصورة الزائفة وهزيمتها، لاستعادة الصورة الأصل ذات الامتداد التاريخي الحقيقي. لذا، نحن لا نواجه مجرّد نظام، فالنظام متبدل تاريخياً في أي دولة طبيعية قائمة على امتداد تاريخي واضح وساطع كنور الشمس؛ وإسرائيل لم ولن تكون دولة طبيعية، كجنوب أفريقيا مثلاً أو سورية أو فرنسا، التي توالت وستتوالى على حكمها أنظمة عديدة، قد تكون إقطاعية أو استبدادية أو ليبرالية أو ديمقراطية أو شيوعية، إلى ما هنالك من سماتٍ أساسية تعبّر عن طبيعة النظام الحاكم وجوهره في مرحلةٍ من مراحل الدولة. بل هو مجرد كيان إقصائي يتوسم ديمومة الوضع الذي يسعى إليه، أي ديمومة محو الوجود الفلسطيني البشري والجغرافي، واستبداله بدولة يهودية صرفة يدعوها إسرائيل.
وبالتالي، يمكن تبنّي استراتيجية نضالية ديمقراطية وتحرّرية وتقدمية حقيقية، تعكس طبيعة الكيان المسيطر على فلسطين من دون أي اجتزاء مخلّ بها، من خلال تقديمه نظاماً استيطانياً إقصائياً يمارس فصلاً عنصرياً وتطهيراً عرقياً ومكانياً بحق كل ما هو فلسطيني، وهو ما يتطلب نضالاً من أجل تفكيك هذا الكيان وبناء دولة فلسطين الديمقراطية الواحدة؛ التي أراها علمانيةً بالضرورة؛ لجميع الفلسطينيين المقيمين فيها واللاجئين العائدين إليها ولسكانها الحاليين المتحرّرين من العقيدة الصهيونية العنصرية والإقصائية، من دون أي تمييز أو تمايز فردي أو جماعي بين جميع مواطنيها.