في الإجابة عن سؤال ما العمل؟.. السلطة ومنظمة التحرير

02 يونيو 2020
على مدى أربع سنوات تقريبًا من الحديث عما سميت صفقة القرن، وسواء عندما تعلق الأمر بتسريبات متعمدة، أو متخيلة بشأن ما تتضمنه، أو بعد الكشف عنها في المؤتمر الصحافي للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يوم 28 يناير/ كانون الثاني الماضي، تحت اسم "خطة السلام من أجل الازدهار، رؤية لتحسين حياة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي"، ظل سؤال أساسي غائبًا في مجمل ما كتب وقيل.
جرى تبيين المخاطر التي تنذر بها الخطة، وتوجهها نحو تصفية القضية الفلسطينية، وتثبيت الوقائع التي أوجدها الاستيطان الصهيوني، ومشاريع التهويد النشطة، ونوقشت نوايا ترامب، ورغبات نتنياهو، ودوافع جاريد كوشنر، ومصالح جوقة التطبيع المطالبة بإعطاء رؤية ترامب "فرصة لتبيّن الجوانب الإيجابية فيها"، وجرى الكشف عما يدور في غرف مغلقة، وخطوط اتصال مكتومة، وكواليس لقاءات محمومة، وحكي عن الخطوات العملية لتنفيذ الخطة قبل الإعلان عنها بخصوص القدس واللاجئين والتطبيع، لكن السؤال الذي لم يطرح: كيف نواجه هذه الخطة؟ صحيح أنّ هناك من أطلق دعوات إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني بغية التهيؤ للمواجهة، وصحيح أنّ هناك من هدد بخطواتٍ تتعلق بالانسحاب من الاتفاقات مع إسرائيل، لكن الصحيح أيضًا أنّ العشوائية، ومعها اقتراحات ذات طابع انفعالي في مواجهة هجوم منظم ظلّت هي الطاغية، من دون وضع خطة، أو تحديد آليات، فلم ينعقد اجتماع جدّي واحد للقيادات الفلسطينية، ولم يطلق نقاش معمق يبحث في كيفية التصدّي لما جرى تعيينه من خطر داهم.
بعد وقت قصير من إعلان ترامب عن رؤيته، قدم المفكر عزمي بشارة، في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في الدوحة (3/2/2020) محاضرة بعنوان "صفقة ترامب - نتنياهو، خطة اليمين الأميركي الإسرائيلي لتصفية القضية الفلسطينية في سياق تاريخي"، تناول فيها بالتحليل والتشريح مضمون الرؤية التي أعلن عنها الرئيس الأميركي، ثم جرى تطوير هذه المحاضرة، لتتحول إلى كتاب عنوانه "صفقة ترامب – نتنياهو، الطريق إلى النص ومنه 
الإجابة عن سؤال ما العمل؟" صدر عن المركز العربي. ويتبين من العنوان الذي يتضمن "الإجابة عن سؤال ما العمل؟" أنّ الكتاب انطلق من التشخيص وتعيين المخاطر وشرح السياق الذي جاءت فيه خطة اليمين الأميركي الصهيوني مستندة إلى الخطط الأميركية التي سبقتها، وإلى ما أنجزه المشروع الصهيوني على الأرض، ليصل إلى طرح السؤال وتقديم إجابات حضرت في نص غني وكثيف، محتشد بأفكارٍ كثيرة تؤسس للنقاش الجدي المطلوب، على طريق وضع خطة مجابهة، وهو ما يبدو شاغلًا للدكتور بشارة، حيث يدعو من البداية إلى "بلورة خطة مواجهة تتضمن وضوحًا في الأهداف والوسائل"، فيطرح في الفصل الثالث الذي خصصه للإجابة عن سؤال ما العمل؟ موضوعات عدًة تستدعي نقاشا جدّيا ومثمرا، وربما كان هذا هو المطلوب، ومن هذه الموضوعات ما أرى أنه يمثل إشكالية كبرى: دور كل من السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينيتين.
لا يؤيد بشارة دعوة كثيرين إلى حل السلطة، واعتبار ذلك خيارًا ثوريًا جذريًا. تبدو خشيته في مكانها من مسارعة الاحتلال إلى تشكيل "بنية" أكثر ملاءمة له، وتسميتها سلطة وطنية فلسطينية. وللاحتلال تجارب عديدة في هذا المجال منذ روابط القرى إلى أشكال أخرى من توظيف أدوات تعمل في خدمة الاحتلال مباشرة. ويرى أن تبقى السلطة "كإدارة مركزية لحكم ذاتي"، من دون أن يكون لها دور في القيادة السياسية التي يجب أن تكون لمنظمة التحرير، ويدعو إلى الذهاب نحو إحياء المنظمة بوصفها مرجعية وطنية لكل الشعب الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها، ويلي ذلك إعادة الاعتبار لدورها الفاعل في المشروع التحرري. ولطالما
تبنّى الوطنيون الفلسطينيون الصادقون هذا الخيار باعتباره مخرجًا من حالة الانسداد التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993، والأزمات العديدة التي تولدت عنه، لكن كل دعوات الإحياء وإعادة البناء، وإعادة الاعتبار، وحتى الدعوات الأقل طموحًا، مثل إصلاح المنظمة، واجهت إشكاليات ثلاثة، بقيت حاضرة بقوة كلما جرى التطرّق إلى ما يمكن تسميه "خيار المنظمة".
الأولى: نجح مسار متعمد ومقصود في تهميش دور منظمة التحرير الفلسطينية، وضرب مكانتها بوصفها المرجعية الوطنية الشاملة للشعب الفلسطيني. وحتى لا نعيد سرد وقائع كثيرة دالة، منذ ما قبل "أوسلو"، وبالتأكيد أكثر في ما تلاه، فقد جرى تحويل المنظمة إلى جهاز صغير وهامشي من أجهزة السلطة، يتم استدعاؤه إلى الحياة في مناسبات محددة، أو كما يقول بشارة "أداة بيد السلطة تخرجها من أدراجها حين يلزم"، فتظهر أكثر ضعفًا وهشاشة وهامشية في كل مرة، حتى ليبدو الأمر مقصودًا في الشكل والمضمون، ما يؤسس لمزيد من إضعاف الثقة وتشويه المنظمة في الذاكرة الوطنية، لجيلٍ لا يعرف عنها الكثير أو القليل. الإشارة واجبة إلى أنّ النظام السياسي الفلسطيني يعتبر السلطة من أجهزة المنظمة، وما يحدث هو على العكس.
الثانية: تحتكر قيادة السلطة، ورئيسها تحديدًا، قرار منظمة التحرير وتتحكم به. كان استشهاد ياسر عرفات قد شكل فرصة للفصل بين قيادتي المنظمة والسلطة، ولكن قيادة فتح والسلطة تمسكت بالدمج، ولم تلقيا اعتراضًا جديًا ومؤثرًا من مكوّنات المنظمة، ولمّا كانت قيادة السلطة هي قيادة المنظمة المتمسكة بتهميش الأخيرة لصالح الأولى، فإنّ تحكمها يحول دون الشروع في أي عملية جدية، مهما كان حجمها، لإعادة البناء أو حتى الإصلاح. وهي، كما لاحظ بشارة، توجه الاتهامات بمحاولات إيجاد بديل للمنظمة، كلما انطلقت الدعوة إلى تفعيل دور المنظمة، ناهيك عن المطالبة بإعادة بنائها. ليست كل المخاوف من البديل بلا جذور، لكن الاستخدام الجائر لهذه المخاوف يراد منه استمرار الوضع القائم، ومنع التفكير، مجرّد التفكير
في الاقتراب من وضع المنظمة، وتغييره.
الثالثة: كانت ولادة منظمة التحرير محصلة لظرف عربي موات. يقول بشارة: "كان صعود قضية فلسطين إلى الواجهة بما في ذلك إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 في مرحلة صعود الفكرة القومية العربية والمشاريع الكبرى، وحتى خلال الردود القومية على الهزائم". وعليه، ومهما كانت درجة الأهمية في دور الفواعل الفلسطينية لنشوء المنظمة، فإن الدور الأساسي والحاسم كان عربيًا. اليوم يراوح موقف العرب (النظم أساسًا) بين إدارة الظهر للقضية الفلسطينية بكل مكوناتها، وبين التطبيع مع العدو الصهيوني، وبين شعار: نقبل بما يقبل به الفلسطينيون، وغالبًا ما يعني هذا الشعار في التطبيق: نقبل بما تقبل به قيادة السلطة الفلسطينية. قصارى القول: لا توجد حاضنة عربية لإعادة بناء منظمة التحرير، وحتى الجهد الذي بذل، في أوقات معينة، لإنهاء الانقسام وتحقيق مصالحة بين حركتي فتح وحماس، تلاشى بشكل شبه كامل.
هل تضعنا هذه الإشكاليات الثلاث أمام الاستحالة؟ لا يمكن لحركة تحرّر وطني أن تقف أمام ما تعتبره استحالة، ففي هذه الحالة تفقد زخمها وتتلاشى، ووجود هذه الإشكالات لا يعني الكفّ عن العمل والسعي من أجل إيجاد المخرج.
ثمة تحركات كثيرة تدور في أكثر من مكان، وهي تبحث عن الإجابة، ومن المهم أن تتحرّك القوى الفاعلة وبسرعة من أجل إعادة بناء المنظمة. هذه الحركة تعني إنهاء الانقسام، وتعني بداية العمل الفاعل في مواجهة خطة ترامب – نتنياهو لتصفية القضية الفلسطينية.
تعليق:
E95C6D42-60CA-4809-B32E-32E729AFA830
انتصار الدنان