في ارتدادات إعادة آيا صوفيا جامعاً

06 اغسطس 2020
الصورة

آيا صوفيا في اسطنبول من صور أرشيف التاريخ العالمي (1/2/1940/Getty)

+ الخط -

لم يهدأ الجدل بشأن القرار التركي، القاضي بإعادة فتح "آيا صوفيا" مسجداً، على مختلف المستويات، بل تصاعد كثيراً على مستوى الداخل التركي، وأحدث ارتداداتٍ وإرهاصاتٍ عديدة في الأوساط السياسية والشعبية التركية، وخصوصا بعد إقامة أول صلاة جمعة فيها في 24 من الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، بعد انقطاع دام 86 عاماً، حيث أثارت خطبة رئيس هيئة الشؤون الدينية، علي أرباش، فيها، انتقادات غاضبة، وطالبت شخصيات وقوى سياسية تركية معارضة باستقالته على خلفية اتهامه بالتهجّم على مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، في خطبته. كما طالب اتحاد نقابات محامي تركيا أرباش بالاعتذار وتقديم استقالته، معتبراً أن "من يشنون هجوماً على أتاتورك والجمهورية من مناصبهم التي وصلوا إليها بفضل الجمهورية، لن يسامحهم التاريخ"، وأن "كلمات أرباش وعباراته بحق أتاتورك لا يمكن الموافقة عليها أو قبولها، وهي مستندة إلى أجندة سرية".

وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي حملة واسعة ضد الرجل، تطالب بوضع حدّ له وإقالته من منصبه، ما اضطره إلى نشر توضيح قال فيه إنه لم يلعن أتاتورك، لأن الإسلام يدعو للموتى ولا يدعو عليهم، وأنه كان يقصد المستقبل "عندما دعا على من يحول آيا صوفيا من مسجد إلى متحف أو كنيسة". ومع ذلك رفع "الحزب الجيد" المعارض دعوى قضائية ضد أرباش، واتهمه بانتهاك "المواد التي لا يمكن المساس بها في الدستور التركي"، فيما توعد نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، "بدفع ثمن لعن أتاتورك". في المقابل، رأى المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، أن "من غير الوارد أن يشوه أرباش أتاتورك، ولا نقبل أبدا بأي هجوم على أتاتورك".

زادت ارتدادات قرار إعادة آيا صوفيا مسجداً من توجسات أحزاب المعارضة التركية، ومعها المعسكر العلماني

وطاولت الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً، بلال إردوغان، نجل الرئيس التركي، لحديثه، في برنامج تلفزيوني، عن تغيير أتاتورك أحرف اللغة التركية، حيث قال إن "تغيير الأحرف أو الملابس أو الشكل ليس هو معيار تقدم الأمم، وأن تركيا تقدمت خلال العشرين عاماً الماضية على أيدي رجال متمسّكين بدينهم".

وكانت ارتدادات قرار إعادة آيا صوفيا مسجداً قد طاولت الرئيس أردوغان، لقراءته مقطعاً من وصية السلطان محمد الفاتح يلعن فيه "أي شخص يمس وقف آيا صوفيا"، وذلك في خطابه إلى الشعب التركي، عقب صدور قرار تحويل آيا صوفيا إلى مسجد في 11 من الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، فقد اعتبرته أوساط في المعارضة التركية إهانة بحق مؤسس الجمهورية التركية.

ولم تتوقف ارتدادات قرار إعادة آيا صوفياً مسجداً عند هذا الحدّ، بل طاولت اللوحة الرئيسية التي وضعت على مدخل مسجد آيا صوفيا، وكتب فيها: "مسجد آيا صوفيا الكبير الشريف"، بأربع لغات، الأمر الذي اعتبره قوميون أتراك تعدّياً على اللغة التركية، بحجة أن تسميتها بهذا الشكل استوحيت من اللغة العربية، وطالبوا بأن تسمى وفق المصطلحات التركية الأصلية، وليس العربية.

وفي المقابل، احتفلت الأوساط الإسلامية والقومية في تركيا بقرار إعادة آيا صوفيا مسجداً، وتجمع آلاف من مناصريها أمامها، حاملين الأعلام، ومردّدين شعارات وأهازيج تتغنى بما اعتبروه "إعادة فتح آيا صوفيا"، فيما دعت مجلة "غيرجك حياة" (الحياة الحقيقية) إلى إعلان الخلافة في تركيا، ونشرت على غلافها عبارة بالعربية: "إذا ليس الآن فمتى؟ إذا لست أنت فمن؟ اجتمعوا من أجل الخلافة".

احتفلت الأوساط الإسلامية والقومية في تركيا بقرار إعادة آيا صوفيا مسجداً، وتجمع آلاف من مناصريها أمامها، مردّدين شعارات وأهازيج تتغنى بما اعتبروه "إعادة فتح آيا صوفيا"

وتأتي هذه الارتدادات والإرهاصات من الانقسام الذي تعرفه تركيا ما بين معسكرين، أحدهما ذو هوية محافظة، إسلامية وقومية، مؤيد لقرار إعادة فتح آيا صوفيا مسجداً، وآخر ذو هوية علمانية معارض له. حيث يعتبر المعسكر المحافظ، والمكون من حزب العدالة والتنمية (الحاكم) وحليفه حزب الحركة القومية، القرار قوميا سياديا، يتعلق بتاريخ تركيا العثماني وفتح مدينة إسطنبول، ولا يخلو من حمولاتٍ وأبعاد دينية، وأنه جاء في إطار رفع الظلم وتصحيح الأخطاء التي ارتكبت سابقاً بحق الأمة التركية وهويتها. في حين يعتبر معسكر المعارضة العلماني، وخصوصا حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، أن القرار جزء من مخطط يهدف إلى ضرب مرتكزات العلمانية التركية وأسسها التي وضعها أتاتورك، في مقابل إحياء الخلافة العثمانية، والسير باتجاه تعزيز الطابع الإسلامي. لذلك رأى ناشطون في المعسكر العلماني أن حمل وزير الشؤون الدينية سيفاً عند اعتلائه منبر آيا صوفيا لإلقاء خطبة أول صلاة جمعة فيها، إشارة تشي بالعودة إلى العهد العثماني الإسلامي، وتمسّ الطابع العلماني للجمهورية التركية. في المقابل، حاول مناصرون للمعسكر المحافظ تبيان الدلالة الرمزية لحمل السيف باليد اليسرى، بوصفه رسالة سلام إلى العالم وإخافة الأعداء، وتقليداً للسلطان محمد الفاتح الذي كان يخطب بالناس في أثناء صلاة الجمعة حاملاً بيده سيفاً.

زادت ارتدادات قرار إعادة آيا صوفيا مسجداً من توجسات أحزاب المعارضة التركية، ومعها المعسكر العلماني، التي تعتبره خطوة في اتجاه إحياء أحلام الإمبراطورية العثمانية في حلّة جديدة، على حساب العلمانية الأتاتوركية، ومن أجل التهرّب من التحديات والمشكلات التي تواجه تركيا وحزب العدالة والتنمية (الحاكم)، لكن معسكر المحافظين يعتبر تلك التوجسات من أوهام المعارضة، ويشير إلى عجزها عن نيل ثقة الشارع التركي. ويبدو أن كل الحملات النقدية والاعتراضية التي تنظمها المعارضة التركية ضد "العدالة والتنمية" تنطلق من خلفية اتّباعها نهجاً سياسياً يقوم على مناكفة هذا الحزب (الحاكم) ورئيسه، بينما لا تقدم على أي خطوة يمكنها أن تحظى بالتفاف جماهيري وإجماع سياسي، على عكس حزب العدالة والتنمية الذي بات متمرساً في كيفية اتخاذ خطوات وإجراءات تنال رضا الشارع التركي، وباتباعه القواعد والإجراءات القانونية، وهو ما فعله بغية إعادة آيا صوفيا مسجداً.