في أميركا حزبان... ولكن؟!

14 يوليو 2020

في الولايات المتحدة الأميركية هُناك حزبان، هما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، ولهما مجلسان تشريعيان ينوبان عن الشعب، أحدهما مجلس النواب، ويشتمل على 435 عضوا، ينوبون عن السكان بنسبة معلومة، والآخر مجلس الشيوخ وبه 100 عضو، ينوبون عن الولايات، ولكل ولاية ممثلان.

ومن صلاحيات مجلس الشيوخ، إلى جانب التشريع، المصادقة على التعيينات التي يجريها رئيس الولايات المتحدة ليملأ بها المناصب التي تخصّه، ومنها وزراؤه والسفراء، وكذلك التصديق على المعاهدات مع الدول.. وكل هذه تُعطي مجلس الشيوخ قوّة. ثم هناك رئيس الدولة، ويرشّح كل حزب من الحزبين مرشحاً لهذا المنصب، ثم يجري انتخابه من الشعب.

شكل الحكم في الولايات المتحدة إذن ديمقراطي واضح. انتخاب نوّاب. وحزبان متهيئان يتولى أحدهما الحكم، ويقوم الآخر بالمعارضة، ثم هناك الإدارة والحكم تحت قيادة رئيس الدولة. ثم المحاكم لإقامة العدل بين الناس.

فظاهر النظام أنّه نظام ديمقراطي على الأسلوب الأوروبي الغربي، ذلك الذي أساسه حكم ومعارضة. وغير ذلك باطن النظام. فأولاً قد يسمع المرء عن الانتخابات بالحزب الديمقراطي وبالحزب الجمهوري، ثم لا يلبث أن يتم الانتخاب حتى لا يكاد  يُذكر لهذا الحزب اسم أو لذاك. وحتى المعركة الانتخابية قائمة، قد تتبعتها أنا أكثر من مرّة، فوجدت الذي يقوله المرشحون الديمقراطيون لا يكاد يختلف جملة عمّا يقوله الجمهوريون.

كلام كله من ذلك القول الفضفاض الذي هو كالثياب الواسعة تضم الكثير من معاني الخير، في تعميم لا تفصيل فيه، كلٌ سوف يعمل الصالح، وكل سوف يتقدم بالصالح، وكل سوف يقطع جذور الشر من مخابئها في الأرض، وكل سوف يُضحّي بالثمين الغالي، وكل سوف يعمل للسلام حتى يعمّ الأرض. والرخاء الرخاء، لقد طال في الشعب الأمل في انتظاره.

وأستمع للخطيب منهم أو أقرأ له، وقد يفوتني اسمه أو تفوتني هويته، فلا أعود أعلم أديمقراطي هو أم جمهوري. وكنوّاب دولة وشيوخها، رؤساء الدولة. رئيس الولايات في تقدمه للشعب لا يتحدث باسم الديمقراطيين ولو كان ديمقراطياً، ولا باسم الجمهوريين ولو كان جمهورياً، إنّه رجل يعمل للأمة كلها، ويريد أن ينتخبه كل رجل وكل امرأة في الشعب والأمة.

إذن لا عجب أن ينتخب الرئيس الحالي دونالد ترامب، الجمهوري، رئيساً للولايات المتحدة، وهو الرئيس الخامس والأربعون، وهو أيضاً رجل أعمال وملياردير، وشخصية تلفزيونية وله عدد من المؤلفات.

ان المترشّح لرئاسة الولايات المتحدة لا تهمّه المبادئ بمقدار ما يهمّه الفوز في الانتخابات، أما المبادئ فيتبجّح فيها للناس ما شاء من التبجّح، وهو يقول من الكلم الطيب ما يستهوي الناس، والغاية من كل ذلك دخول البيت الأبيض. البيت الأبيض هو الهدف من كل هذا الكلم الطيب.

وأميركا -كمجتمع- تتغير دائماً, تعيش اليوم لا تنظر إلى الأمس أبداً, حتى التاريخ الذي نجده في المجتمعات القديمة لا وجود له هناك, "إنَّ الفتى من يقول ها أنذا, ليس الفتى من يقول كان أبي"!

رجل مثل رونالد ريغن, (6 فبراير/شباط 1911 – 5 يونيو/حزيران 2004) هو سياسي وممثل راحل، شغل منصب الرئيس الأربعين للولايات المتحدة في الفترة من 1981 إلى 1989. وقبل رئاسته كان حاكم ولاية كاليفورنيا الثالث والثلاثين بين عامي 1967 و 1975، لا يمكن تصور ذلك  في أي بلد في العالم -متقدماً كان أو متأخر- إلاَّ في أميركا, ممثل سابق, مشهور بالجهل السياسي, لايهم, المهم أنه يجمع الأصوات أكثر من غيره, ففرصة الربح هي الأهم, إنك تريد أن تكسب أو تخسر, غير هذا غير وارد في البال.

القوّة، كل القوة. هذه القوّة يطلبها المترشّح لرئاسة الولايات أولاً: ثم هو حر بعد ذلك في ما يصنع. وهو بالطبع لا يقول الخير ليصنع الشر. إنّه قال الكلم الطيّب الذي لا يربط أحداً، ثم هو بعد ذلك يسلك سبيل الشر لأن هذا غباء وعَتهٌ، ولكنه يسلك في الحكم السبيل الذي يؤمّن له الحكم في الانتخاب مرة بعد مرة. وعلى الرئيس المترشّح أن يتقبّل كل كتلة سياسية أو ذات مصالح أخرى اجتماعية أو اقتصادية ما دامت تجرّ معها إلى صناديق الانتخاب طائفة من الأصوات ذات بال.

وبالطبع يحاول المترشّح أن يقرّب من هدف هذه الكتلة وأهدافه التي أعلنها، ويُيَسّر عليه ذلك أنَّ هذه الأهداف ليس بها تفاصيل نافرة تجعلها بمنأى عما يجري داخل أروقتها، وكل نظام سياسي له منافعه ومضاره. والنظام الذي يستطيع أن يعيش يغلب فيه أن تكون مضاره ومنافعه متقاربة، فمن زادت المضار، وكانت للشعب إرادة، قتلته المضار قتلاً.. ومنافع هذا النظام الأميركي ظاهرة.

في الولايات المتحدة مقدار من استقرار الحكم كبير، والتحزّب وما ينتج عنه من صراع قليل بالنسبة لما يوجد من ذلك في النظم الديمقراطية الأخرى، وإن نظام حكم كهذا، يعتمد على المصالح اعتماداً كلياً، وهي مصالح مادية تتصل غالباً بحاجات الحياة الدنيا من طعام وشراب وكسب ماء ورفاه، نظام كهذا تتوه فيه المعاني الأسمى التي تتصل بالحرية، وتتصل بالكرامة، وتتصل أيضاً بالآمال الإنسانية والأحلام.