في أحوال الجبهة الشعبية.. التونسية

في أحوال الجبهة الشعبية.. التونسية

09 يونيو 2019
+ الخط -
قبل أربعة أشهر من الانتخابات التشريعية والرئاسية، وقع في تونس ما لم يكن في الحسبان، حيث تفكّكت الجبهة الشعبية وهي تحالف سياسي، جمع فصائل عديدة من اليسار الراديكالي والقوميين. قدّم تسعة نواب في البرلمان من أصل 15 نائباً (من مجموع 219 عضواً في مجلس النواب) استقالتهم إلى رئاسة مجلس النواب. وبعد مرور المدة الكافية في القانون، فقدت الجبهة كتلتها البرلمانية التي كانت عنوانها الأبرز، وصوتها الأرفع في المشهد النيابي، والسياسي التونسي عموماً. ورافق الانسحاب صخبٌ تقاذف فيه رفاق الأمس تهماً سياسية، ولم يراعوا لبعضهم ذمة، فقد تراشق الفريقان بتهم الخيانة والعمالة والفساد. نيران صديقة اشتدّ سعيرها، ولم تترك للصلح مكاناً، حسب متابعين عديدين.
تشكلت الجبهة الشعبية منذ انتخابات المجلس التأسيسي عام 2011 على خلفية توحيد اليسار التونسي، بشقّيه الماركسي والقومي، على خلفية مناهضة حركة النهضة آنذاك، وإيجاد بديل علماني الفكر، يساري التوجهات الاقتصادية، وإن كان خطابه يشدّد على جملة من المسائل السياسية الأخرى، على غرار العلاقات الدولية والتحالفات الإقليمية وغيرها.
خسرت الجبهة الشعبية رمزين كبيرين، حين سقطا برصاص المجموعات الإرهابية، شكري 
بلعيد ومحمد الإبراهمي، لا تزال "النهضة" تدفع ثمناً باهظاً لمسؤوليتها السياسة والأخلاقية على ذلك، فالاغتيالان وقعا تحت حكمها زمن الترويكا (2012/ 2013). وكان ذلك منعرجاً خطيراً في تاريخ البلاد، وتحديداً بعد الثورة. وتحت ضغط هذا الإخفاق، والمعارضة الشرسة للجبهة الشعبية وتحفظات إقليمية آنذاك، اضطرت حركة النهضة لأن تتنازل عن السلطة. وظلت الجبهة تحيي هذه النكبة التي مرّت بها لإضعاف خصمها، "النهضة" تحديداً، حتى عاب عليها بعضهم الاستثمار في دماء الشهيدين، لتحقيق مكاسب سياسية، ظلت ضعيفة في ظل معارضتها العبثية، وانحسار خطابها المتشنج في دوائر ضيقة.
خاضت الجبهة الشعبية بعد ذلك انتخابات سنة 2014 الرئاسية والتشريعية، وحصلت على المرتبة الرابعة، وبنسبة ضعيفة، لكنها ظلت عنواناً بارزاً لخطاب سياسي راديكالي، يصل أحياناً إلى العدمية والفوضى. وزادت تصريحات رموزها السياسية من داخل البرلمان، أو خارجه، من سقف هذا الرفض العنيف، إذ عرفت بخطاب الرفض: لا لكل شيء تقترحه الحكومة، حتى ولو كان عين الحقيقة. في مقابل ذلك، عجزت الجبهة عن تقديم حلول واقعية وعقلانية لعشرات المشكلات البنيوية التي تعاني منها البلاد: تدهور المقدرة الشرائية، التفقير المتواصل للفئات الشعبية، ارتفاع المديونية، البطالة.. إلخ. واكتفت بخطاب رافض كل شيء، من دون أن تقدم بديلاً واقعياً ومقنعاً لتونسيين عديدين، ولذلك ظلت نخبوية محدودة التأثير في أوسع قطاعات الناخب التونسي.
كان تشكيل الجبهة الشعبية حدثاً استثنائياً بكل المقاييس، لاعتبارات عديدة، منها العداء التاريخي بين الفصيلين اليساريين الأكثر قوة فيها، حزب العمال والعائلة الوطنية الديموقراطية. تعود الخلافات إلى ستينيات القرن الماضي، وهي خلافاتٌ مركبة، تقوم على مسائل سياسية فكرية، على غرار تأويل المتن الماركسي، بمختلف روافده، طبيعة المجتمع التونسي وقراءة تركيبته الطبقية والنظام السياسي والتحالفات الداخلية والمعطى الدولي. فضلاً عن أن الساحة الجامعية وحلقات النقاش، في عقدي السبعينيات والثمانينيات، دليل على عمق الخلاف الأيديولوجي السياسي بين الفصيلين. استطاعت الجبهة الشعبية أن تضع حدّاً، أو كهذا توهمنا، لذلك النقاش الفكري، وتوحد اليسار التونسي في معركة ضد حركة النهضة، وضد السلطة القائمة التي جاءت، هذه المرة، عبر انتخابات ديموقراطية. كما انفتحت أيضاً على مكون يساري من خارج 
المتن الماركسي، وهو بعض الفصائل القومية، على غرار حزبي الطليعة العربي الديموقراطي والتيار الشعبي، كما رأينا سابقاً.
تكتمت الجبهة على خلافاتها الداخلية خلال أكثر من سبع سنوات، واستطاعت كل مرة أن تطمسها، ولو تعسّفاً تحت لافتة أن الخطر يهدّد الجميع، وهو خطر الإسلاميين حسب اعتقادها، حتى أصبحت معارضتها تختزل في"اللانهضة". ولكن هذا الخطاب المتشنج لم يستطع حسم خلافاتٍ عديدة ظلت مؤجلة، وقد تغذت من صراعاتٍ على الزعامة، في ظل تمسك أمين عام حزب العمال وقائده التاريخي، حمّة الهمامي، بزعامة الجبهة، فهو ناطقها الرسمي، الذي يدير مجلس أمنائها، ويتحكّم فيه لصالحه، حسب اتهامات من انسحبوا من نواب الكتلة. وبقطع النظر عن توتر الجدل الحالي بين رفاق الأمس، الذي قد يكون مجرد وقود معركة مؤقتة، تحصّن المواقع، فإن الاختلاف حقيقي وعميق، حتى ولو عاد رفاق الأمس يحتضنون بعضهم بالورد والقبل، وذلك ما لم تستطع الجبهة حسم مسائل ثلاث:
- المتن النظري والأيديولوجي الذي ظل دوغمائياً إلى حد كبير، فلم يتم مثلاً مراجعة موقف الماركسية من الديموقراطية والمسألة الدينية والقومية والصراع الطبقي، وهي مسائل ما زالت تشق قطاعاً واسعاً من قواعد اليسار، وتحديداً قواعد الجبهة الشعبية. وتشهد الصراعات الصاخبة بين فصائل اليسار داخل الجامعة على هذه المسائل، على الرغم من ضعف الحركة الطلابية في السنوات الأخيرة، وتشرذم اليسار وصراعه المدمّر على الانفراد بالاتحاد العام لطلبة تونس، وجعله ذراعاً لهذا الفصيل أو ذاك.
- الهيكل التنظيمي الذي ما زالت فيه قيادة الجبهة الشعبية خاضعةً إلى نزعة بطريركية تشرع لكثير من الوصاية، فمجلس الأمناء والندوة الوطنية التي لم تنعقد أكثر من ثلاث سنوات، علاوة على المجلس المركزي، أثبتت جميعها أنها غير قادرة وحدها على حلّ الخلافات، وإفراز هيئات شرعية لا تكتفي بصناعة القرار الداخلي فحسب، وإنما أيضاً تتكفل بإشراك القواعد المحلية والجهوية، وتشبيب قياداتها، حتى لا تصاب الجبهة بمزيد من الانغلاق والتقوقع والتهرّم.
وأخيراً، لن تنجو الجبهة الشعبية من هذا الضعف والتفكك المتواصل، إذا لم تراجع خطابها 
الراديكالي الذي لا يقدّم للناس أفقاً واضحاً، فخطاب الجبهة ظل قائماً على رفض حادّ لكل السياسات، من دون أن يقدم للناس بديلاً يرسم أفقاً واقعاً وعقلانياً. لم يعد هذا الخطاب جذّاباً للتونسيين عموماً. ولعل ذلك كان أيضاً أحد أسباب الخلاف العميق بين أطروحة المشاركة، ولو الجزئية، في الحكم، ونزعة طهورية تؤثم وضع اليد في "لوثة الحكم مع الغير". القادح الذي أثار كل هذا التفكك في الكتلة النيابية، سواء تعلق بمسائل الترشّح لرئاسة الجمهورية، أو "سطو" فصيلٍ بعينه على الجبهة، ليس هو السبب، بل هو من علامات مرضٍ ينخر الجبهة، أوجزت السطور أعلاه سبل التخلص منه، إذا صدقت النيات، وما أصعب ذلك.
إذا عجزت الجبهة الشعبية في تونس عن حسم هذا الخلاف، وتفككت قبل أن تدرك الانتخابات، فقد يختفي اليسار عن البرلمان، لكنه سيظل موجوداً بكثافة في العمل النقابي والمشهد الثقافي، ومجالات أخرى يسارية الهوى بامتياز.
7962F3C9-47B8-46B1-8426-3C863C4118CC
المهدي مبروك

وزير الثقافة التونسي عامي 2012 و2013. مواليد 1963. أستاذ جامعي، ألف كتباً، ونشر مقالات بالعربية والفرنسية. ناشط سياسي ونقابي وحقوقي. كان عضواً في الهيئة العليا لتحقيق أَهداف الثورة والعدالة الانتقالية والانتقال الديموقراطي.