فيلم أردني غير ممنوع

فيلم أردني غير ممنوع

11 اغسطس 2017

أحمد ظاهر في مشهد من فيلم "انشالله استفدت"

+ الخط -
ظل المخرج الأردني، محمود المسّاد (1969)، يقول إن هيئة مختصة منعت فيلمه "إنشالله استفدت" (إنتاج 2016) من العرض التجاري في الأردن، بدعوى إساءته إلى "هيبة الدولة". وكانت هيئة الإعلام المرئي والمسموع، بدايةً، تقول إن الفيلم لم يُعرض عليها حتى تقرّر إجازته أو عدمها، وأنها إذا ما رأت منع مشاهدته لن تجد حرجاً في إعلان ذلك، بموجب نظامها والقانون الذي تعمل بموجبه. والظاهر أن الهيئة شاهدت الفيلم لاحقا، فأجازته، بدليل أن صاحب هذه الكلمات شاهده في صالة عروض تجارية في عمّان. وبذلك يجوز القول هنا إن المسّاد لم ينجح في افتعال "دوشةٍ" لا ضرورة لها، ربما كانت قد تنفع في الانتباه إلى الفيلم، محليا وخارجيا. كما يجوز القول إن الهيئة دلت على أن المساحة المتاحة في الأردن لحرية التعبير الإبداعي تتسع لفيلمٍ لم ير في البلاد أي حالة إيجابية، وأن العيش فيها غير ممكن من دون الاحتيال والنصب والكذب والغش والتزبيط والتربيط والتنفيع والرشوة، وغير ذلك من صنوف فسادٍ عريض، انشغل "إنشالله استفدت" (الاسم غير موفق أبدا) بالصغير منه، الذي يمارسه موظفون بسطاء، وحرفيون عاديون، وناسٌ في الهامش. وأظنّها ضربة معلم إجازة عرض الفيلم الذي شوهد وسيُشاهد في مهرجانات عربية وعالمية، ذلك أنه كان سيتم خصم كثيرٍ من "هيبة الدولة"، لو صار هذا العمل السينمائي، الروائي الطويل، (125 دقيقة) من الممنوعات في الأردن، ثم سلك طريقه إلى برنامج "خارج النص" في قناة الجزيرة.. مثلا. 

أجمل ما في جديد محمود المسّاد أداء البطل الرئيسي فيه، أحمد ظاهر، والذي يمثل أول مرة في حياته، لا لشيء إلا لأنه غير ممثل. بعفويةٍ وسذاجةٍ وملامح معبّرة، وببساطةٍ غاية في الإتقان، بدا على الشاشة يتصرّف بعاديةٍ بالغة، ما يجعلك تظن أنه محترفٌ وصاحب خبرة في التمثيل، فيما قصة الفيلم حكاية جرت معه، فكأنه كان يستعيد مشاهد وقائع حقيقية مرّ بها. إضافة إلى أن الرجل، في تقاسيمه وتعبيرات وجهه، وكذا جوانياته ودواخله، يتوفر على إيحاءات باللامبالاة واللااكتراث تجاه الأشياء، والشعور بقلة وزنه أمام الحادث قدّامه، وبين الناس حواليه. يتسق مع هذا أنه في الفيلم، كما في وقائع ما جرى معه، يتم حبسه، لأنه مقاولٌ صغير لم يستطع أن يسدّد مبلغ 1800 دينار أردني، بعد أن لم يتمكّن من الالتزام بموعد الانتهاء من عمل بناء، فتم اعتباره محتالا. وتلتقي الوقائع في الحبس مع مثيلاتٍ مشابهةٍ في خارجه، الاستقواء والاستتباع، والتشاطر والعبث، والكذب الكثير. لم يستطع ابن عمّة البطل المركزي للفيلم، من توفير المبلغ، لأنه بعد أن استطاع تخليص أجهزة كمبيوتر اشتراها من الخارج، برشوة مسؤول في الجمارك بخروفٍ بلدي، سُرقت هذه الأجهزة في عملية احتيالٍ تنتهي بمرتكبها إلى الحبس نفسه، في حادثةٍ تأخذ الفيلم في مسار حكائي موازٍ، متصلٍ بالمسار العام له.
حضرت في فيلم محمود المسّاد (كاتب السيناريو والمخرج والممثل في الفيلم) مقادير وفيرة من السخرية التي يجوز وصفها سوداء، تجاه ظواهر ومسلكيات اجتماعية وحكومية وشعبية، ومن مختلف الأوساط والفئات والشرائح. البيروقراطية، المضحكة أحيانا، إحدى هذه الظواهر، كما العلاقات الزبونية والمتقاطعة المصالح (الصغرى هنا)، وذلك كله في دوامة فسادٍ ينخر في المجتمع ودوائر الإدارة والتسيير الحكومي معا، تُشعرك بأنها الحالة الطبيعية، ومن قبيل ما ليس منه بد. وذلك منذ المشهد الأول في الفيلم، حيث المقاول البسيط، السجين لاحقا، بطل الفيلم، يسرق الكهرباء من أسلاك مجاورة لسطح منزله، وتفشل العملية، ما قد يعرّفنا بحال هذا الشخص الذي يكافح من أجل أن تمشي معه الأشياء في شؤونه اليومية والعملية والأسرية كما يريد، غير أن العثرات الصغيرة والكبيرة تلازمه في كل ما يقوم به، حتى في تفاصيل طريفة في السجن.
بإيجاز، هو فيلم أردني نجح في مواضع كثيرة فيه، وإنْ غالى في بعض مشاهده، بسبب بحثه عن المفارقات التي تيسّر له التهكّم الحاد، والكاريكاتيري أحيانا، من كل شيء. فاجأنا بطل الفيلم بأدائه، وكان الممثلون الآخرون في عمومهم ناجحين، عدي حجازي وماهر خماش ومحمود إبراهيم ونديم الريماوي.. وأوفت الموسيقى التصويرية بما أريد الإيحاء به. وفي ذلك كله، وغيره، يجوز القول إن "إنشالله استفدت" خطوة طيبة في مسار السينما الأردنية الجديدة.. الناهضة.