فيصل سمرة سيرة التحولات الهاربة

31 مايو 2016
الصورة
عمل فني لفيصل سمرة (بإذن من الفنان)
+ الخط -
ينبت العشب في الصحراء. هكذا قلت في نفسي وأنا أطّلع لأول مرة على أعمال الفنان السعودي البحريني فيصل سمرة. وحين أتابع أعماله ترد إلى ذاكرتي قصائد قاسم حداد التي أعشقها. هذا الفنان المولود بالبحرين (سنة 1956) الذي قضى طفولته في السعودية، وشبابه في فرنسا، يمنحنا مشروعًا إبداعيًا مدهشًا. صحيح أنه لا يحب كلمة الأسلوب، لكن أعماله الفنية، منذ لوحاته الأولى في نهاية السبعينيات حتى آخر معرض له بعنوان "الاحتباس الحراري"، تفصح عن توالدات وانزياحات تبني فكرًا تشكيليًا قلّ أن نعثر عليه بهذا العمق في الفن العربي المعاصر.

إنه فنان معاصر بامتياز، لا لأنه يرتاد مختبرات ما بعد اللوحة، ولا لأنه يستعمل المنشأة والمنجزة الفنية والفوتوغرافيا والأداء الفضائي، باعتبارها وسائط تمنح هوية معينة لهذا الفن، ولكن لأنه يحمل في داخله مشروعًا فكريًا نقديًا يتمظهر بشكل صارخ في كل عمل أو سلسلة من سلسلاته. ونحن نعبُر متوالياته الفنية، نجد أن ما يخترقها هو الجسد بلا وجه، الحامل لهويته وغيريته في الحركة والحضور، المبلور لوجوده في تحويل الوجه إلى ساحة معركة للأفكار. هذا الوجه الغائب والمتعدّد، يشكل بمعنى ما توقيع الفنان وتعبيره الصارخ عن تصور شخصي للوجود والتحول.
تحضرني المقالة العميقة للفيلسوف الفرنسي جيل دولوز عن الوجْهية. ولفيصل السمرة علاقة خاصة بهذا المفكر. ففي بداية التسعينات، كان الفنان يعيش تحولات حثيثة في الرؤية والوسيط وطريقة الاشتغال. هكذا وجد في كتاب الفيلسوف "الثنية، بحث في الباروك"، منْعرجًا للتعبير عن التركيب الخاص للعمل الفني في معرضه بمعهد العالم العربي سنة 1994. "الثنية تجسيد للزمن"، هكذا يعبر الفنان عن المسالك الباطنية التي تبلور التصور الفني. "الثنية تجسيد للفكر المتبصر"، هكذا أترجم هنا ذلك الولع بالمعلقات الجاهلية على جدار الكعبة، التي جعلت الفنان يعيش في هذا المعرض تجربة "الخروج من اللوحة"، كما خرج الشعر من الرقّ ليتحول إلى صورة فضائية تستنطق فساحة الوجود والمقدس.

بدأت تلك السيرورة الغنية بالمزاوجة بين لوحات أشبه بالمنشآت وبين استغلال الفضاء الخارجي. بيد أن هذه التحولات لم تدم طويلًا. وكأن الوعي "الحداثي" للفنان كان متأهبًا لقفزات ومغامرات وسائطية أخرى. وبما أننا نعي جيدًا أن الثنْية هي بداية التحول والمسخ والتشوه، فإن فيصل سيكتشف في الفيديو، الوسيط القادر على الإمساك بتلك التحولات (أي بتلك الصورة -الحركة كما كتب ذلك جيل دولوز). "الفيديو هي الطريق الأقصر لتبيان كيف يتحول شكل ما". هنا بالضبط نمسك بمشروع الفنان في كلّيته، أي بتحولات الأشكال باعتبارها صورة للتحولات المجتمعية والسياسية.
ومن منجزة "الواقع المعوجّ"، حتى "الاحتباس الحراري"، مرورا بالربيع العربي و"عزازيل"، يبني فيصل سمرة تجربة متراكبة ومتحولة في الآن نفسه، تتطور مُزاوجةً بين الانقطاعات والاستعادات التصويرية. فالرمل، مثلًا، نجده في منشأة في بداية التسعينيات كما في أواخر العقد الأول من الألفية الجديدة "الربيع العربي". هذه الاستعادات إن كانت تنفي مفهوم الأسلوب الذي يوحّد معطيات المسير الفني في تبلوره، تبني حثيثًا مفهوم التجربة باعتباره نسقًا تصوريًا مفكرًا. لماذا تتواتر الأجساد الملفوفة الرأس، المتحركة كما لو كانت كيانات هلامية؟ ولماذا اللعب على تحويل الوجه إلى قناع متحول باستمرار؟ أليس الرأس (الوجه) تلك الهوية البصرية التي يملكها الجسد، ومن ثم فإن مسرحته بهذا الشكل يمنح إمكانية للفنان كي يحوله إلى جسد غير متحدّد وقابل لكل المعاني الممكنة؟ هذه التساؤلات وغيرها نعيشها بصريًا ونحن نشاهد فيديوهات فيصل سمرة باعتبارها أسئلة مشاكسة، متيقظة إلى المعنى، تجعل من التكرار والاختلاف - حسب دولوز ثانية - مطيّة لمسرحة الذات ومساءلة الآخر. وكأننا بالفنان يبني المعنى في استكشافه لطبقاته، ومن هنا ينبع المنحى الصوفي الذي يجعل الظاهر مظهرًا لفرشات الباطن.

يعترف سمرة أنه فنان ملتزم. بيد أن الالتزام لديه ليس خطابًا سياسيًا حتى وهو يباشر الكثير من الأسئلة السياسية الراهنة كالربيع العربي. إنه يمسرح الظاهرة السياسية ليشرحها ويكشف عن وجوهها وأقنعتها. يراودها عن معانيها الخفية والعينية. يفلق رأسها كي يكشف عن أنماط وجودها. كل ذلك من غير خطابية سياسية بسيطة قد تعمى عن الغوص في ثنايا الواقع بالتواءاته وتلاوينه.
ولأن فيصل سمرة ابن هذا الزمن البصري الفائض بالصور، فإنه أيضًا يواجهه باعتباره ظاهرة "سياسية" - أو لنقل أنطولوجية - يلزم تحرير العين منها. صحيح أنه يستعمل الصور، لكنه "يحس أن الصور تخنقه"، لذلك يحرك شخصياته الهلامية لتتحرك ضد الصورة الإعلامية بسلطتها الخانقة والآسرة، وضد التحكم المفروض الذي تمارسه على الكائن. ففي سلسلة "نص وصورة" (2010) نراه يستعيد تجربته السابقة مع النص والجسد، كما ليستنطق الجسد بصفته صورة والصورة بصفتها جسدًا. هكذا، ومن منجزة إلى أخرى ندخل عالمًا يتجاور فيه المأساوي بالساخر. فأعماله التي تتحدث عن اللحم العربي تشي بعنف يجعل الجسد المحجّب الحامل للحم (العربي) ضربًا من الكفن المزدوج للذات التي تفقد هويتها الإنسانية، كما للجسد الذي يفقد سماته الجسمانية. هذا التكفين ليس في الحقيقة سوى بلورة مغايرة للجسد المتفجر الهلامي الذي يخترق أعمال الفنان، ويمنحنها تعددية للمعنى تكاد تتداخل بشكل تلاحمي.

يبلور فيصل تجربة فنية ووجودية، مفكِّرة ومتسائلة، تبني توالداتها الدلالية من خلال يقظة فكرية لا تطرف لها العين. والحقيقة أنه أحد رواد الفن العربي المعاصر الذين ساهموا بشكل وافر في الإقناع بجدوى الوسائط التعبيرية الجديدة (كالمنشأة والمنجزة والفيديو). بل إنه (كما في معرض "البناء والهدم وإعادة البناء"، لندن 2014)، ينتقد بشدة "الوثنية الجديدة" للصور - كما يحلو لرجيس دوبريه القول - ، كي يجعل الصور تتفتّت وتتشكَّل من جديد. والمرمى من ذلك ليس غير تلك الرغبة في بناء وعي بصري جديد يتم تشييده بين الفنان والمتفرج/ المشارك. هكذا يغدو العمل الفني لدى فيصل ساحة للصراع والتحول، يكون الآخر مدعوًا ليس فقط لمشاهدتها بالعين والحسّ، بل أيضًا لعيْشها كتجربة شخصية يتقاسمها مع الفنان، فالتحول جارف، وما إن نشهَد العمل الفني حتى نصاب بعدواه، ونغدو كيانًا من كياناته الهائمة.