فيروز وجنون المبدعين الكبار

23 ابريل 2017
الصورة

نزار قباني: صوت فيروزنسيج وحده في الشرق والغرب (Getty)

حينما اكتشف الملحنُ اللبناني، محمد فليفل، عذوبةَ صوت نهاد حداد، البالغة خمسَ عشرةَ سنة آنذاك، لم يكن يخطر في باله قطُّ أنها ستكون فيروز، النجمةَ العالمية التي ستملأ الدنيا وتشغلُ الناس، أكثر من المتنبي حينما كان يمتطي صهوة الريح القلقة. وأما الموسيقار حليم الرومي، صاحب الـ "ألفي لحن"، فقد اكتشف بذرة العبقرية لديها، واقترح إطلاق لقب فيروز عليها، مفضلاً إياه على "شهرزاد" الذي كان مُقْتَرَحاً لها. وكان متحمساً لصوتها وأدائها، إلى حد أنه أعطاها لحنَ الأغنية الأولى في تاريخها، "تركتْ قلبي وطاوعتْ حبك" عام 1950، واشترك معها في الدويتو الغنائي من ألحانه، "عاشق الورد". والغريب أن الأخوين الرحباني لم يكونا على علم تام بقيمة هذا الكنز النفيس الذي سيكون مصدراً أساسياً للنجومية التي حققاها خلال العقود الأربعة التالية.
كتب عاصي الرحباني في مجلة أهل الفن، عدد يوليو/ تموز 1955، أنه كان يعد برنامجاً موسيقياً غنائياً للإذاعة اللبنانية، وذات يوم دعاه حليم الرومي للاستماع إلى صوتٍ جديد، فرأى فتاة صغيرة تمشي مع والدها (وديع حداد)، وتحمل كتاباً، فلما استمع إلى صوتها وصفه بأنه "لا بأس به"، وآمن بأنها تصلح للغناء الراقص، بينما رأى شقيقُه منصور أنها لا تصلح له على الإطلاق! وقال عاصي إنه، مع ذلك، بدأ يعلمها، فكانت، في المحصلة، أحسن من غَنَّى هذا اللون على الإطلاق.
بيد أن منصور الرحباني لم يتمسّك بذلك الرأي زمناً طويلاً، فبعدما تبناها مع عاصي، وأبدع لأجلها أجمل الأشعار والألحان، سئل عن رأيه بها، فقال إن كل ما في صوتها خوارق، وموهبتها خارقة أيضاً، فيروز، باختصار، ظاهرة لا تتكرر.
يروي الناقد عبد الرحمن سلام، في مجلة الكفاح العربي (28 /1 /2014) أخباراً وحكايات عن الشخصيات الفنية والأدبية العربية الكبيرة التي أعربت عن إعجابها بشخصية فيروز، ومنهم المطرب الذي كان ذائع الصيت في الخمسينات، عبد العزيز محمود، صاحب الأغاني الجميلة: "منديل الحلوة" و"يلي شغلت القلب الخالي" و"داري جمالك يا سمرة". حضر عبد العزيز إلى بيروت، وعرض على فيروز العمل معه في السينما، فاعتذرت بالقول: "بعدين، لما أكبر". ولم يكن هذا العرض السينمائي الوحيد، فنجم شباك التذاكر، أنور وجدي، جاء من القاهرة إلى بيروت خصيصاً ليقابل فيروز، ولكن المطربة الصبية الخجولة كانت منشغلةً بدروسها، فلم تُتح له فرصة لقائها.
عبّر الشاعر أنسي الحاج عن إعجابه بفيروز بكلام يشبه الشعر، إذ قال "إن بعض الأصوات سفينة، وبعضها شاطئ، وبعضها منارة، وصوت فيروز هو السفينة والشاطئ والمنارة، وهو الشعر والموسيقا والصوت". أما نزار قباني فقال إن "صوت فيروز هو أجمل ما سمعت في حياتي، إنه نسيج وحده في الشرق والغرب". وشبّه محمود درويش صوت فيروز بأنه "ظاهرة طبيعية"، فمنذ نحو من خمسة وعشرين عاماً، وبعد ماريا أندرسون، لم يُعرف صوتٌ كصوتها، فهو أكبر من ذاكرتنا، ومن حبنا لهذا الـ (لبنان). فيروز جعلت من ذاتها ليس فقط "سفيرة لبنان الى النجوم" وإنما رمزاً لمجموعات ترفض أن تموت. ولن تموت.
مَنْ أطلق على فيروز "سفيرتنا إلى النجوم" هو الشاعر سعيد عقل الذي وجد فيها، وفي الرحابنة، ميداناً كبيراً يستوعب جنونه الشعري غير المحدود. ومما قرأته عن الشاعر محمد علي شمس الدين أن سعيد عقل كان أستاذه، وذات يوم شرد خلال الدرس، وما عاد يسمع ضجيج الطلاب، ولكنه، فجأة، دقّ بيده على الطاولة وقال: دقيت طل الورد عالشباك. وينها؟ (هنا السؤال موجّه للورد)، تلـَبـّك ما عاد يحكي (الورد تلبك).. ماتت؟ لشو تخبّر؟ (أي لماذا تُعلم الناسَ بموتها؟) أنا ويـّاك.... أنـّا وياك، وحدنا يا ورد رَحْ نبكي.

دلالات