فيروز والأخوان رحباني... كسر الطرب التقليدي

05 أكتوبر 2019
الصورة
العلاقة سردية إبداعية لا تنتهي (رمزي حيدر/فرانس برس)

لفيروز صوت نوراني عذب، غنّى لكلّ شيء تقريبًا: للحب والجراح والكبرياء والانكسار والأرض والناس والبحر والشجر والجبل والحرية والأوطان. صوت غنّى قصائد وموشحات وأدوارًا وترانيم ومزامير وصلوات. فيروز رمز لبناني، وكنز غنائي وفني شديد الثراء والخصوبة. يستحيل ذكر التجربتين الغنائية والمسرحية في لبنان من دون ذكر الرحبانيَيْن (عاصي ومنصور) وفيروز، فمسيرتهم رائدة في تاريخ الفن العربي المعاصر، وأفرزت أكثر من ألف عمل فني، موزّعة كلّها على 800 أغنية، و23 إسكتشًا، و3 أفلام، و15 مسرحية غنائية.

العلاقة بين فيروز والرحابنة سردية إبداعية لا تنتهي، وظاهرة فنية متفرّدة، تحمل معالم نهضة فنية كبيرة في لبنان والعالم العربي. ملأت الدنيا وشغلت الناس، وكانت متنًا جوهريًا لكتبٍ كثيرة، بعضها يتناول أمورًا دينية، ربما لا يعرفها الجميع، وإنْ لا تزال جوانب عديدة في هذا المجال تحتاج إلى كشف وإضاءات. أحدث هذه الكتب بعنوان "فيروز وسيسيولوجية الإبداع عند الرحبانية 1960 – 1980" للكاتب والأكاديمي المصري الدكتور محمد الشيخ، الصادر عن "الهيئة المصرية العامة للكتاب" عام 2018.

يرى الشيخ أنّه "رغم تجذّر فيروز في الأرض اللبنانية، لم تكن ظاهرة لبنانية وحسب، بل هي بفعل قوّة اندفاعها باتت ظاهرة عربية، نافست للمرّة الأولى الظاهرة الغنائية المصرية"، مُضيفًا أنّ عاصي الرحباني "أكثر الفنانين العرب انفتاحًا على الغرب، وعلى القضايا والأقطار العربية". وأشار إلى أنّ فيروز غنّت من كلمات الرحابنة وألحانهم "أجمل ما قيل عن فلسطين ودمشق ومكّة وعمان والأقطار العربية".

يتضمّن الكتاب (800 صفحة) 3 فصول، يتناول المؤلّف فيها محطّات كثيرة من حياة فيروز والرحبانييّن، ومسيرتهم الإبداعية، طارحًا تساؤلات وأفكارًا عن تأثّر أعمالهم بظاهرة الطبيعة والبيئة، وشارحًا الأسباب التي جعلت الأعمال أكثر إقناعًا ومصداقية، والعوامل التي عزّزت مداركهم الحسّية، ودعمت أفكارهم الفنية. إضافة إلى ذلك، قدّم الشيخ نتائج تحليلية عن الفصول الـ3، تعقب الفصل الأخير، مختتمًا كتابه بملاحق تحتوي على توثيق لأعمال عاصي ومنصور الرحباني وفيروز.

يُسلّط الفصل الأول الضوء على العلاقة الحيوية والمؤثّرات (الخارجية، وما تشتمل عليه من جو وطبيعة) التي عرفها الأخوان رحباني وفيروز، متناولاً تأثير النشأة والبيئة الاجتماعية عليهم، في ظلّ المكان وأثر الهجرة، مع تقديم نماذج تحليلية من مسرحياتهم، كـ"ناس من ورق" (1972) و"ميس الريم" (1975)، ومن أغنياتهم، كـ "حَبُّوا بعضن" و"كنا نتلاقى"، و"إذا الأرض مدورة" و"يوم ويومين وجمعة" و"أنا لحبيبي وحبيبي إلي". ثم يتناول الكتاب الآثار الاجتماعية، بدءًا من تأثير التربية عليهم، مع تقديم نماذج غنائية وأخرى درامية مسرحية، تؤكّد وجهة نظره، وتعكس تأثير الجدّة مثلاً على إبداعهم، كمسرحيات "جسر القمر" (1962) و"الليل والقنديل" (1963) و"أيام فخر الدين" (1966) و"هالة والملك" (1967) و"جبال الصوان" (1969) و"صحّ النوم" (1971) و"بترا" (1977).
الفنّ وليد البيئة والإنسان معًا. من هنا، يتطرّق الكتاب إلى أثر البيئة الثقافية ودورها في تميّز أعمالهم التي تلوّنت وفقًا للظروف الاجتماعية، فى الحقب الزمنية التالية. ويمرّ المؤلّف على التعليم، وتأثيره في حياتهم، وعلى بدايات النضوج والثقافة والإطّلاع، والعمل الباكر، وأثر العوامل المتقدّمة عليهم، كالتنوّع الثقافي، مخصّصًا محورًا لأثر الدين على الإبداع عند فيروز، مع تقديم نماذج لذلك، من دون أن يغفل الحديث عن الصلاة في حياتها، ثم يُجيب نى التساؤلات التالية: متى تُصلّي فيروز، وكيف ولمن وأين؟

في القسم الثالث، يتناول محمد الشيخ مردود الثقافة وأثرها الأكاديمي على أسلوب الرحبانييَّن، مع تقديم نماذج من الأعمال التراثية، كالموشحات والأدوار والقصائد. الفصل الثاني من الكتاب يتناول الجانب الأيديولوجي وأثره علي عاصي ومنصور وفيروز، بدءًا من التأثيرات السياسية، بما فيها اللجوء وذاكرة المكان وأغنيات القدس وحلم العودة، وثنائية الألم والأمل، مُختتمُا إياه بتقديم نماذج من الأعمال المسرحية السياسية والأغاني الوطنية، مع تحليل درامي موسيقيّ لأشهر تلك الأعمال.

العوامل السوسيولوجية الباكرة في حياة الأخوين الرحباني، وأثرها على إبداعاتهما، هو عنوان الفصل الثالث، إذْ يتضمّن نماذج درامية وغنائية توضيحية وتحليلية. ثم يختم الشيخ هذا الفصل بحديثٍ عن فيروز وأثرها على إبداعاتهما، بدءًا من سماتها الشكلية والأدائية، وأثر الشخصيات المسرحية العديدة على التلوين الصوتي للأيقونة الغنائية، مُتناولاً مسيرتها شكلاً ومضمونًا، كالملابس والأكسسوار والشكل، ثم خصائص صوتها وأدائها، وصولاً إلى الجوائز التي حصدتها.
تنبع أهمية هذا الجزء من الكتاب، من أنه يُضيء أهم السمات الشكلية والأدائية في صوت فيروز، ومدى أثر ذلك على الفن الرحباني، متناولاً خصوصية صوتها وسماتها المتفرّدة في أدائها، غناءً ومسرحًا، واندماجها الكامل فيهما. كما خصّص مساحة للتأثير المتبادل بينها وبين طبيعة الحركة والصوت، وتوحّدها مع الشخصية، في التمثيل والغناء، والإضافات واللمسات التي كانت تضفيها على الشخصية بحسّ خارق للعادة.
يختم محمد الشيخ كتابه بمجموعة نتائج وملاحق، متّفقًا مع ما ذهب إليه جان ألكسان في كتابه "الرحبانيون وفيروز" ("دار التكوين"، دمشق، 2010)، بأنّ الرحابنة قدّموا أغنية جديدة كسرت التطريب التقليدي، وصاغوه بمواصفات جديدة، في المضمون والمادة الشعرية، كما في المادة الموسيقية والأداء. وكانت فيروز العنصر الأساس في الظاهرة الرحبانيّة، وأصبحت هي أيضًا "رحبانيّة". والرحابنة أدخلوا أسلوبًا جديدًا إلى الأغنية، علمًا أنّ الظاهرة الرحبانيّة اعتمدت على تراثين: الفولكلوري والعربيّ غير الفولكلوري.