فوكو وأزمة البحث عن الجرس المعلَّق

28 يوليو 2020
الصورة

ميشيل فوكو (indyturk.com)

+ الخط -

"يجدر بنا أن نطوّر أنماطاً جديدة من الخطابية، من خلال رفض هذا النوع من الفردانية التي فُرضت علينا لعدة قرون".. ميشيل فوكو. ويُعلق وائل حلاق على هذا النص: يرجع عدم تطوير فوكو لنظرية مفصلة عن قضايا المقاومة هذه إلى تركيز اهتماماته البحثية على قضايا أخرى.
أبرز ما يقفز على السطح في الاهتمامات البحثية التي انشغل بها ميشيل فوكو هو الحياة الجنسانية. لم يكن هذا المسار إطار اهتمام بحثي لفوكو فقط، ولكنه حسم هويته وأيديولوجيته الفكرية الأخيرة التي رحل وهو مؤمنٌ بها، والأهم أنها كانت الجذر الرئيس لتشكلات الهوية الجنسية، في ما بعده، والتي هيمنت على منصّات ثقافية عالمية، اكتسبت قوة السلطة الثقافية التي كان فوكو يعتبرها عائقاً للحرية المطلقة. ويُشير وائل حلاق هنا إلى خطأ بعض شرّاح فوكو، أن انشغالهم في هذه المسارات الفرعية التي ابتعدت أو انفصلت عن الفكرة الكليّة لفهم التشكلات الخطابية ساهمت في مناهضة الطرح الأصلي. والطرح الأصلي هنا النطاقية المركزية للحداثة المادية، وتأثيراتها على صناعة الثقافة العالمية، فمنذ صعودها ثم هيمنتها على المؤسسة الأكاديمية في الغرب، ثم توظيفها لتقلبات مصالح الرأسمالية الحديثة، ثم ترويجها كإكسير إنقاذ للبشرية، لا يمكن للمعرفة الإنسانية من أن تدرك وعيها المعاصر، ولا أن تحقق نقلة حداثة من دون الإيمان بهذه الكليات. هنا الحداثة المادية تشترط في أصلها وجذرها، تنحية الروح والأخلاق.
هذه الثنائية الشرطية، من المهم جداً فهمها لوعي مرحلة فوكو الأخيرة، وكيف انتهى من نقد السلطة السياسية والعقابية والقانونية إلى التسليم لسلطة النزوة، وبالتالي انتهت المذاهب الحديثة، وبالذات الحالة الجندرية المتطرّفة، إلى الالتحام في المنظور الحداثي المادي الذي جمعها من جديد مع التوحش الرأسمالي.

انتقلت قوة السلطة في فرض الأيديولوجية الجندرية من الهيمنة في المؤسسات الثقافية الغربية، ثم السياسية والإعلام، وخصوصا حركة إنتاج الأفلام، إلى ترويجها عالمياً

تحتاج كتلة هذه الفكرة إلى شرح مركز، قد نتناوله في المستقبل، يضرب وائل حلاق المثل بجوديث باتلر، وكثيرين غيرها، لكن أولئك الآخرين، كما هي باتلر، انتقلوا من الأساس الأخير الذي حرّره فوكو، في تاريخ الجنسانية، ثم انفجرت قضية تعميم الجندر الذي وصلت إلى سُلطة عالمية قاهرة أُعلنت في مؤتمر بكين عام 1995، فانتقلت قوة السلطة في فرض الأيديولوجية الجندرية من الهيمنة في المؤسسات الثقافية الغربية، ثم السياسية والإعلام، وخصوصا حركة إنتاج الأفلام، إلى ترويجها عالمياً، تحت القهر أو الاشتراط الثقافي، على الشرق وكل العالم الجنوبي.
وأمامنا قبل المضي في مناقشة مصداقية المنظور العلمي لفوكو ومرجعيته، والعودة إلى قاعدة المعرفة والمبدأ الأخلاقي، لفهم أين اضطربت فلسفة فوكو، وما هي دوافعها المهمة جداً، مسألتان:
الأولى أن الحركة الجندرية المتطرفة وثلاثياتها، القهر والحصار الفكري للأسرة الإنسانية، ونزعها من التسلسل الطبيعي الأخلاقي لبقاء الحياة، بما في ذلك حق المرأة الذاتية والتشاركية، وحصار الطفولة ووضعها مبكراً تحت التشكيك النفسي الحاد، لترويج مصالح الجنسانية الجندرية ونزواتها، وحصار فُرص التوالد. والاكتفاء بالعلاقة المثلية بديلا للأجيال القادمة، والثالث الإسقاط الشامل والنهائي، للعُرى الإنسانية المطلقة في علاقات المحارم، (الأقارب من الدرجة الأولى)، وتمكين سلطة النزوة لتحقق هيمنتها حتى على هذه الطبيعة الفطرية، المقدسة أخلاقيا بين البشر.
هذه هي الثلاثية المركزية التي تُرصد خلاصات نتيجتها على البشرية، حين يُستكمل الإطار الجندري، وسنشرح ذلك لاحقاً، وفق نظرية ميشيل فوكو ذاته، وهو ما يبرّر اتكاء من أتى بعده على تأصيله لها، بعد أن كان خطابه يدور حول السلطة التي تقمع الفكرة أمام المنظومة السياسية أو حتى المجتمعية، وبالتالي تفكيك موقع القوة من الخطاب، ولكنه انتقل بعد ذلك إلى المآل الأخير الذي اعتنقه قبل رحيله ودوّنه في تاريخ الجنسانية.

الدين عند المحافظين الغربيين يخضع لمعادلة الرأسمالية الجديدة التي قد نُقربها بالظاهرة (الترامبية)، كسلوك خلق مسرحه الحداثة المادية

والمسار الأول الذي عنيناه بالتحديد قبل المناقشة هو جواب كيف تكون الجندرية المتطرّفة قوة قمعية أو سلطة رأي، قد تشكلت تحت هيمنة الحداثة المادية التي برزت أيضاً في مشروع الرأسمالية المحافظ أو الليبرالي، ثم توحش حتى أوصل العالم إلى ما وصل إليه، بل وارتدّت العنصريات داخل مجتمعاتٍ أسستها الدولة المدنية الحديثة، وعبر عقدها الاجتماعي. .. والجواب هنا أن مركز الفكرة لم يتغير بين المسار الاقتصادي للحداثة المادية والمسار الاجتماعي لها. لقد خلقت تطورات الفكرة بعض النزاع الذي يحكم الفعاليات أو الأحزاب أو الأنشطة السياسية، والتي لا يُنكر أن بعض التدافع فيها، قد حقق منابر حقوق للأقليات، ومواجهة السلطة الأمنية أو السياسية على سبيل المثال.
غير أن كلا المسارين كانا يُغطيان على حرية المعرفة، وحق الرفض بالضبط كما قال فوكو، رفض من نحن، فالأنا الجندرية والأنا الرسمالية، حاصرت حق الفطرة والكرامة الإنسانية، وقد تطوّرت اليوم إلى التحريض الممنهج، على المجتمعات الرافضة للتطرّف الجندري، والمتمسكة بقيمها الأخلاقية، والقلقة من معادلة فوكو في بسط سلطة النزوة، وإن جهلت المصدر.

الحركة النسائية ذاتها، بوصفها إطارا نضاليا حقوقيا، تؤمن بثنائية التمتع بالحق المشترك، وخصوصية الأنوثة والعاطفة الفطرية للمرأة، هي اليوم من ضحايا التطرّف الجندري

أما المسار الثاني، فهو الدين عند المحافظين الغربيين، كمواجهة للجندر، وهذه حقيقة أن المنظومة الدينية في الغرب، في جزء منها، تقاوم بسط هذه الحركة نفوذها، لكن هذا الدين في ذاته يخضع لمعادلة الرأسمالية الجديدة التي قد نُقربها بالظاهرة (الترامبية)، كسلوك خلق مسرحه الحداثة المادية. وهي منظومة صراع، لم تساعد مطلقا الإنسانية المستقلة الحرة، وخصوصا في عالم الجنوب، بل العكس، فهذه الرأسمالية، حتى مع ضلعها الديني، تدعم القوة الجندرية في الأمم المتحدة، وفي وزارة الخارجية الأميركية، على بسط مفاهيمها ضد الشعوب وحريتها المعرفية.
هنا يبرز مسار متصل ودقيق، وهو تضليلي بامتياز، وهو بساطة تنميط كل معارض للتطرّف الجندري، بأنه مؤيد أو متساهل مع العنف الذكوري، أو حقوق المرأة أو المساواة في الدخل، وهذا غير صحيح، فالحركة النسائية ذاتها، بوصفها إطارا نضاليا حقوقيا، تؤمن بثنائية التمتع بالحق المشترك، وخصوصية الأنوثة والعاطفة الفطرية للمرأة، هي اليوم من ضحايا التطرّف الجندري، ومؤسساته المدعومة دولياً ومحلياً.