فوضى الشرق وإرهاب الغرب

21 يناير 2015
الصورة

في مسيرة بأندونيسيا تحتج على رسوم "شارلي إيبدو" (يناير/2015/Getty)

+ الخط -

تتيح الأحداث الكبرى، وخصوصاً التي تؤدي إلى تغييرات كبيرة في المعادلات السياسية والأمنية القائمة، إمكانية قراءتها من أكثر من زاوية، ليس بالنظر فقط لموجة التداعيات الواسعة التي تثيرها، ولكن، لأنّ صناعتها، في الأصل، تكون مصمّمة على أساس تحقيق أهداف معيّنة. و"شارلي إيبدو" تقع ضمن خريطة هذه الأحداث. ويعرف الخبراء الأمنيون هذه المسألة جيداً، حيث تنطوي، دائماً، على رسائل محدّدة يفهمها هؤلاء، ويجري صنّاع القرار تعديلات على سياساتهم إثر هذه الأحداث. في الغالب يكون هذا هو الهدف الأساسي لهذا النمط من الأفعال، إعادة صياغة التوجهات والمواقف، بعد قراءة الأحداث من زوايا نظر مخالفة.

الفاعل في "شارلي إيبدو" معيّن، هنا، بدقّة لا تحتاج إلى بحث أو تمحيص، "تنظيم القاعدة في اليمن"، والهدف أيضاً معلن: انتقام مزدوج، ينطوي على محتويين: الانتقام مما يعتبره التنظيم إساءة للإسلام، والآخر انتقاماً لمقتل أحد أعضاء التنظيم، أنورالعولقي، أي الثأر من السياسات الغربية المسؤولة عن الفعلين. هذا على صعيد المضمون، في حين يبدو الشكل متناسقاً مع نمط عمل هذه التنظيمات، ذات العقيدة الأيديولوجية المغلقة "القاعدة" وأضرابها.

المطلوب الاكتفاء بهذا التوصيف للحدث، وإغلاق الباب أمام البحث والتقصّي والاستفسار، بذريعة أن كل محاولة، في هذا المجال، لن تكون سوى تعمية أو محاولة تبريرية جديدة للقتل، أو التشاطر باستخدام الآليات التفسيرية لنظرية المؤامرة سيئة الصيت، كما فعل تيري ميسان في تفسيره أحداث "11 سبتمبر" خديعة كبرى.

بعيداً عن التجريب، ثمة بديهيات، كشفتها الخبرة الأمنية، في التعاطي مع قضايا الإرهاب، أكثرها شهرة أن ظروف الفوضى تهيئ الفرصة لحصول تداخلات معيّنة، تكون فيها الأدوات واضحةً، لكنّ ثمة لبسا يكمن في الأجندات، وهذه الظاهرة توفرها عمليات الاختراق، ففي أثناء الحروب والمواجهات، تحتاج التنظيمات إلى المزيد من الكوادر، وغالباً ما تخفّف من معاييرها وشروطها في قبول الداخلين الجدد. في الصفوف الدنيا، تنحصر الغاية من الاختراقات في تحقيق أهداف أمنية محليّة وآنيّة، مثل التبليغ عن وجود المجموعات، أو الكشف عن العمليات التي تنوي هذه التنظيمات القيام بها. لكن الاختراق الأكبر يتم على مستوى أطر صناعة القرار، وهي الجهات التي ترسم الأهداف الكبرى. ويكون هدف الاختراق، توجيه العمل صوب أهداف محدّدة لغايات استراتيجية بعيدة المدى، بحيث يجري توظيف نتائجها، باعتبارها متغيّرات طارئة، ويتم زراعة العناصر عبر عملية أمنيّة طويلة معقّدة، ولا تنجو، حتى أكثر التنظيمات حذراً، من هذه العمليات (محمد شوربة عميل الموساد في أطر حزب الله القيادية).

لكن، بعيداً عن هذه التقنيّات التي يعرفها خبراء الأمن، ولنترك مساحة للتحليل السياسي، فإن شروط ولادة مثل هذا النمط من الأحداث الإرهابية الكبرى مرتبط بعاملين أساسيين: صناعة المجال، حيث تشكّل الفوضى الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط، وفي بؤرتها الأساسية سورية، المجال المناسب لظهور هذه الأنماط من العمليات المعقّدة، نظراً لما يجري فيها من استسهال للقتل، وتصييره حدثاً عادياً تراقبه عين العالم بنوع من افتقاد للدّهشة والتخلي عن قواعد القانون الدولي، من تمرير استخدام الأسلحة المحظورة في قتل البشر، إلى حد السماح لدولة "عضو في المجتمع الدولي"، إيران، بممارسة الإرهاب حتى ترضى، فضلاً عن جاذبية الصراع في سورية، بوصفه حرباً دينيّة مستقطبة قوى التطرف. وعليه، تشكل القضيّة السورية، اليوم، المجال المولّد للإرهاب الذي تحوّل، أيضاً، إلى إحدى أدوات السياسة العالمية في الاستخدام الدولي. والدليل أن روسيا وإيران تستخدمانه حقاً لهما في إدارة نزاعاتهما مع الغرب، فيما تستخدمه أميركا وسيلة لاستنزافهما، مقدمة لاحتوائهما!

الشرط الثاني هو صناعة الإرهابي، أو الأدوات، وهذه نتيجة للشرط الأول، ذلك أن الأمر مرتبط بدرجة كبيرة بالبيئات والمناخات المناسبة لولادة الإرهابي وتربيته وزراعته، عملية استدعائية أوتوماتيكية بدرجة كبيرة، تتكفل بها مكائن التهميش اليومية والثقافة الدينية المنحرفة. منفذو "شارلي إيبدو" مقاتلون معولمون جوّالون يعملون في إطار مجال الفوضى المتّسع.

ويشكّل اتساع الأزمة وطول أمدها والتداعيات التي تولدها دائماً، أحد العوامل المهمة في صناعة هامش واسع لنمو ظاهرة الإرهاب، بل واندماجها في بنية قضايا الشعوب. والأزمات في سورية واليمن ولبنان، وإن بدت في الشكل حديثة نسبياً، إلا أنها في الجوهر رضعت من الأزمة العراقية. وهذا، بدوره، أدى إلى توسع الأزمة، بحيث باتت تشمل ملفات عديدة، منها العلاقة مع الغرب. ولا شك أن ظروف الفوضى هذه تساعد في زرع أهداف جديدة في حقل الأزمة، وانغماس أجندات بداخلها، وتمريرها، بوصفها عمليات تساهم في تدعيم القضية الأساسية. كما أن أزمات العالم باتت من التشبيك والترابط، إلى درجة لا تتيح إمكانية عزل تأثيراتها، وحصر تفاعلاتها في حدود جغرافيتها.

عندما نتحدث عن أمن أوروبي، نكون بصدد تقنيات وأدوات معقّدة، ليس من السهل اختراقها، خصوصاً في ظل حالة من الاستنفار الأمني، نظراً لوجود إنذارات واضحة، ما يعني أن كسر هذه الوضعية واختراقها يحتاج طرفاً يملك إمكانات أمنية موازية لما يتطلبه من ضرورة وجود شبكة ضخمة من القنوات والطرق، استخدمت للتخطيط والتسهيل والتمويل، لا يمكن توجيه الاتهام بشكل فج لطرف ما عدا تنظيم القاعدة في اليمن. لكن ثمة أمر يثير الاستغراب الشديد، هو أن حادثة "شارلي إيبدو" جاءت مفصّلة على مقاسات خطاب سياسي وتوجهات ومطالبات أطراف معينة؟ غلّة وافرة امتلأت بها سلال جهات محدّدة؟ لم يحصل أن تكفّلت السماء بإنزال هدايا سياسية، حسب الطلب، لأطراف معينة بالمظلّات!