فوزي كريم.. جوهرية الحياة الموازية

20 مايو 2019
الصورة
(فوزي كريم في بورتريه ذاتي)
+ الخط -

اشتغلَ الشاعر العراقيُّ الراحل فوزي كريم في منطقة ممتدة من الطَّيف الأدبيّ لا يمكن وصفها بالخاصّة ولا وصفه داخلها بالفَردانيّة فحسب، إذ تدخّل جهده النقدي في حركيّةِ المشهد الشِعريّ العربيّ العامّ تناولاً حميماً وتنظيراً مؤسِّساً وتبشيراً إبداعياً. فالناقد صاحب "شاعر المتاهة وشاعر الراية" يتماهى مع الشاعر ذي النزعة الاحتجاجيّة والمُسائلة الدائمة بالبحث والتجريب.

لقد بدأ من "حيث تبدأ الأشياء"، وانتهى إليها بطزاجةِ تولّدها الأول وانبعاثها الانفعاليّ على عتبة البدايات. يقول: "طرّزت أحلامه الأولى.. سياجاتُ الطفولة، حاملاً خطوي إلى أقبيةِ الموت وسامْ" (قصيدة: تباشير 1966).

سِياج الطفولة الأولى يحاذي منطقة توسّل الحماية وانتزاع الأمان على حدود الأشياء في بداياتها. لكنّه "خطو الشاعر" الذاهب إلى "أقبيته موته" جاعلاً منها وساماً. نظرةٌ تنطوي على تجربة ذاتية صاخبة ورؤيا متأمّلة تتطلّع إلى تكريمها اللاحق/ وسامها السابق بوصفه منتزعاً من خطوات الشاعر الساكنة ونصوصه المشَّاءة برسم الباقين من بعده. إنها "خبرة الشاعر الداخلية". ذلك ما اصطلح عليه في كتابه "تهافت الستّينيين" (2006)، إذ يفكك الظاهرة الشعرية العربية مُنطلقاً من الهُوّة بين النص الشعري وتلك الخبرة الداخلية المفتقدة كما يفترض ويَسوق العِلل والأمثلة.

ينتقد صاحب "القلب المفكّر" (2017)، أيضاً، تلك السُيولة العاطفيّة التي تسم جزءاً ليس قليلاً من شعرنا العربي. بدءاً من مقولته تحت عنوانه اللافت، حيث يحرّض على فكريّة اللغة الشاعرة في مواجهة الغنائية التجريدية. يتابع فيقول: "القصيدة تُغنّي، ولكنّها تُفكّر أيضاً".

ثمة لعنةٌ للشِعر سابقة على ممارسته. القصيدة ملعونة إذ تقع المسؤولية على كلماتها بأن لا تفسد وأن لا تتعفّن فيها المعاني. يقول في مجموعته "السنوات اللقيطة" (2003) في قصيدة تحمل عنوان: "يوميات الهرب من الأيام": "وطّنتُ النفسَ على الشعرِ الملعون، لكنْ كم فسُدتْ كلماتي وتعفّنَ فيها المعنى!".

إن كتابة كريم تنحاز للجوهر في حياة فردية موازية لحياته. التقاطات مبثوثة في يوميّة التجربة وخبرة التراكم والتكثيف في النصوص الشعرية الحيّة بذاتها لا بسواها، بعيداً عن الأيديولوجيا والأغراض. ولعلّهُ تفلسف القلب في مُلامساتٍ تأَنسُها وتُؤنسها مُلابساتُ الإنسان المتأمّل بفنيّةٍ عميقةٍ لا تجد نفسها في البهرجةِ اللُغوية والزخارف وتعويض الفراغات الإيقاعية بالحشو والاستعراض والكلام التطريبي الزائد.

تجاور الفنون واختلاطها وتبادل منافعها حياة موازية أخرى لدى صاحب "الفضائل الموسيقية" والفنان التشكيلي الجامع للبصر واللحن والنص على نحو فريد موسوعيّ الاستخدام، إذ يكمل بها دورته المعرفية بتدوير العناصر وتذويتها في سياق توقه إلى وعي الجمال وموهبة البناء في عالم حرّ لا تتنازعه الصراعات العبثية، ولا تقترب فيه الذات الخاصة من المعارك الصغيرة وحسابات المؤسسات الوظيفية في المهرجانات الأدبية أو معايير لجان التحكيم في الجوائز الرديئة عبر أجهزتها الإعلامية وسياساتها الفُرجويّة. "أرفع يدي احتجاجاً" (1973) قال وقتها، ثمّ غادر إلى مهجره اللندنيّ مغترباً خارجياً ومقيماً داخلياً في اللغة والنقد والترجمة والموسيقى والفن التشكيليّ.

إن أفضل مرثية له يمكن أن نختم بها، هي أن نقرأ بصوته الغائب عبارتين عن المائدة والوعد من مجموعته "مكائد آدم" (1991): "أخليتُ مائدتي لمدعوّينَ ما عادوا لمائدتي الفقيرة/ ذهبوا مع الوعدِ الجميلِ إلى مدَافِنه الأخيرة".
خلت المائدة، وبقي الوعد الجميل: الشِعر في تجلّياته الخالدة وانبعاثاته المستمرّة.


* شاعر من فلسطين

المساهمون