فوبيا الإخوان وشيطنة المقاومة

فوبيا الإخوان وشيطنة المقاومة

04 اغسطس 2014
الصورة

تظاهرة للإخوان المسلمين في الأردن رفضاً لحصار غزة (2مارس/2008/أ.ف.ب)

+ الخط -

من يتابع ما تكتبه الصحف الإسرائيلية عن حرب غزة، يلحظ نشوةً ظاهرة في هذه الصحف، سببها وجود محور عربي "معتدل"، يدعم بحماسة شديدة الحرب الإسرائيلية على القطاع، ويساهم في حصاره وتجويع أهله بغرض تركيعهم.

هذه المرة، الحماسة أكبر من كل مرة وفرت فيها أنظمة عربية الغطاء للحروب الإسرائيلية في لبنان وفلسطين في العقد الأخير، إذ تخوض هذه الأنظمة، خلال هذه الحرب تحديداً، حرباً وجودية ضد التغيير الذي حمل بوادره الربيع العربي في المنطقة، وهي تستخدم أدوات ثورتها المضادة لهذا الربيع، في تجريم المقاومة، وتعمل على التعبئة ضدها إعلامياً، لتشيطن المقاومة الفلسطينية عند قطاعاتٍ من النخبة والجمهور العربيين، لم تكن تقليدياً ضد المقاومة، لكنها بفعل الاستقطاب السياسي الحاد، في إطار التحولات داخل الوطن العربي، أصبحت تستجيب لدعاية الأنظمة العربية المتواطئة مع العدوان الإسرائيلي.

الأنظمة العربية التي يُسعدها ضرب حركة حماس، وتُفرحها هزيمة المقاومة في غزة، لم تكن تاريخياً مع خيار المقاومة، بل كانت منذ "كامب ديفيد" وما بعدها ضده، وظلت ترفض خيار المقاومة، لأنه يكشف عجزها عن القيام بواجباتها ومسؤولياتها العربية تجاه القضية الفلسطينية، وفي مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي العربية.

هذه الأنظمة بلا مشروع سياسي، غير مشروع اختزال الدولة في الطبقة الحاكمة، وتأمين استقرارها في السلطة، وقدرتها على النهب المستمر للثروات، وهي في سبيل تعزيز سلطتها، وإعادة المعادلة القائمة قبل الربيع العربي، تحرص على نشر مرض "إخوان فوبيا"، بالتشنيع على جماعة الإخوان المسلمين، والتخويف منهم، لأنهم القوة المنظمة الأقدر على استثمار أزمات هذه الأنظمة، والاستفادة من الأوضاع الثورية في المنطقة، لإزاحة الطبقة الحاكمة والحلول مكانها.

يسهل رصد حالة التخويف من "الإخوان"، واعتبارهم تهديداً للسلم الاجتماعي (المقصود طبعاً سلامة هذه الأنظمة)، والتلاعب في معادلات التمييز السياسي بين الصديق والعدو في الوعي العربي، وإعادة ترتيب أولويات الصداقة والعداء، لتناسب أجندة هذه الأنظمة في ثورتها المضادة، وذلك بتحويل جماعة الإخوان المسلمين، والمنتسبين إليها، والمتعاطفين معها، من منافسٍ يمكن الاختلاف معه داخل الدائرة العربية، إلى عدو شيطاني، يريد تدمير الدول العربية، والعبث بأمنها واستقرارها.

في إطار الخطاب الدعائي الرافض بشدة للإخوان، يتم تخيير البقية بين التعبير "الوطني" عن رفض هذه الجماعة "الإرهابية"، والتأكيد على عداوتها، بالالتحاق بتلك الأنظمة، ودعم جهودها في محاربة الإخوان، أو الانضمام إلى الخارجين على الوطن والأمة.

ما حصل في مصر يؤكد هذا المنحى، فمن وقف ضد الانقلاب من تياراتٍ على خلافٍ عميق مع "الإخوان" فكرياً وسياسياً، وُصِفَت بأنها إخوانية. هذا الأسلوب هو عملية تأطير لكل متمرد على النظام القائم ضمن الحالة الشيطانية، والتي هي العدو الأبرز للأمة، اليوم، كما يُصَوِّر إعلام الثورة المضادة.

انخرط قوميون ويساريون وليبراليون في هذه الشيطنة، وعبروا عن العداء للإخوان ضمن صراع هوية، وبدلاً من التعامل مع "الإخوان" كمنافسين سياسيين داخل الأمة والوطن، صار مجرد الحديث عن رفض إلغاء هذا القطاع الواسع من مجتمعاتنا تهمةً بحد ذاتها عند هؤلاء، وظهرت آثار هذا الإصرار على تغيير أولويات العداء، في الموضوع الإسرائيلي، وتجلّت في الحرب على غزة والموقف منها.

استخدمت الأنظمة العربية المناهضة للمقاومة شيطنة "الإخوان" في تجريم المقاومة في غزة، عبر اختزال المقاومة بكل فصائلها وتنوعاتها في حماس، واختزال غزة بكاملها في الحركة ذات الجذور الإخوانية.

وفي ظل التأكيد على عداوة الإخوان، كان مفهوماً ظهور دعوات إعلامية علنية لمشاركة إسرائيل في ضرب حماس، أو الشماتة بما يحصل في غزة، أو المساواة بين عدوين، من دون اعتبارٍ للفارق بين اختلافٍ سياسي مع طرف عربي، وعداوة وجودية مع كيان صهيوني استعماري.

لم يكن الحديث عن إخوانية حماس، وارتباطها بأوامر المرشد في مصر، ومساهمتها في قتل المصريين، حديثاً اعتباطياً، بل كان التركيز على نشر هذا التضليل جزءاً من محاولة نزع صورة حركة المقاومة الوطنية عن حماس، وطمس فكرة مقاومتها للاحتلال، والتأكيد على أنها جزء من "العدو الحقيقي" الذي يهدد أمن الدول العربية، وتالياً تركها لمصيرها الذي تستحقه، وتبرير التخاذل والتآمر العربيين ضدها.

اجتمعت حجة "الإخوان" بالحجج القديمة بشأن المقاومة وعلاقاتها وجدواها، فكان تجريم حماس في بعض الإعلام العربي يحصل بالتذكير بأنها تتلقى الدعم من إيران وحزب الله، واستنكار هذا الأمر (وكأن العيب في تلقي حماس هذا الدعم، وليس في غياب دعم الأنظمة العربية عنها، بل وتآمرهم عليها)، كما ذَكَّر بعض الإعلام العربي بعدم واقعية خيار المقاومة كالعادة، ليعيد الإشارة إلى التناقض بين من يسعون لتثبيت الاستسلام للواقع، ومن يعملون على تغييره.

هذا التحريض الإعلامي ظل نجاحه محدوداً أمام إنجازات المقاومة والارتباط الشعبي العربي بفلسطين، من دون إنكار تأثيره على قطاعاتٍ من الجمهور العربي، كما أن نخباً قومية ويسارية أظهرت موقفاً متخاذلاً ومرتبكاً في أحسن الأحوال من حرب غزة، بسبب دعمها سياسة تغيير بوصلة العداء، وتحويلها "الإخوان" من منافسٍ يمكن نقد طروحاته وسلوكه مطولاً، إلى عدوٍ يتساوى مع العدو الوجودي للأمة، وتُخْتَزَل المقاومة فيه، ويُجَرَّم أحد أهم فصائلها لانتمائه لأيديولوجيا الإخوان.