فواز طرابلسي يتذكّر اغتيال سالمين في "اليمن الديمقراطي" (4-4)

فواز طرابلسي يتذكّر اغتيال سالمين في "اليمن الديمقراطي" (4-4)

20 نوفمبر 2015
الصورة
سالمين.. تم بحث إزاحته قبل اغتيال الغشمي في الشمال
+ الخط -
توقفت الحلقة الثالثة من الحوار مع الكاتب اللبناني فواز طرابلسي عند واقعة اغتيال القيادي في الترويكا في حكم اليسار في "الجمهورية اليمنية الشعبية الديمقراطية"، سالم ربيع عربي (سالمين)، هنا استكمال للتفاصيل.

* هل كان السوفييت في صورة الترتيبات لإزاحة سالمين؟
ما يمكن إضافته، هنا، أن موضوع إزاحة سالمين والبديل عنه كانا قيد التداول، قبل حادثة اغتيال الغشمي بالتأكيد. والمهم أن الموضوع بحث في موسكو، حيث أثار القادة السوفييت السؤال عن البديل في حال إبعاد سالمين. فعلى الرغم من عدم ممانعتهم إزاحة سالمين، على اعتباره مناصراً للصين وينتمي إلى "اليسار المغامر"، وهم دوماً من دعاة الحفاظ على الوضع القائم، اعترضوا على ترئيس عبد الفتاح على اعتباره "شمالياً"، وتساءلوا: كيف يمكن لرجل شمالي أن يكون رئيس الدولة في الجنوب؟
لاحظي الأممية الشيوعية، من فضلك! لا يجوز ليمني شمالي أن يكون رئيساً لدولة اليمن الجنوبي!
هذا ما رواه لي علي ناصر. وكان في زيارة رسمية لدمشق، فاستدعى نديم عبد الصمد، عضو المكتب السياسي، مسؤول العلاقات الخارجية، في الحزب الشيوعي اللبناني، وأحد المقرّبين جداً من المسؤولين السوفييت، من بيروت لمرافقته إلى موسكو في طيارته الخاصة. وفي موسكو، تولّى نديم الدعوة لدى القيادات السوفييتية لاستبدال سالمين، والتعريف بعلي ناصر محمد بما هو البديل "الجنوبي" عن سالمين. ما ليس واضحا لديّ، ويحتاج إلى تدقيق، هل قدّم نديم علي ناصر بما هو البديل لسالمين على رأس الدولة، على اعتبار أن عبد الفتاح يبقى الأمين العام للحزب، أم قدّم علي ناصر بما هو رجل الدولة "الجنوبي" المعارض لسالمين، والذي سوف يوفّر التغطية لعبد الفتّاح "الشمالي" ليحكم بما هو رئيس الدولة؟ يجوز الافتراض أن السوفييت تبلّغوا الرسالة الأولى، نظراً لمجريات الأمور التي تلت إزاحة سالمين وإعدامه.
في كل الأحوال، وقع ما كنت أخشاه وحذّرت منه في رسالتي إلى عبد الفتاح، وهو أن تعجز السلطة ويعجز الحزب عن تغليب خيار على آخر من دون اللجوء إلى العنف. والملفت للنظر كيف أن مغامرة اغتيال الغشمي، التي أرجح أن صالح مصلح وسالمين شريكان فيها، جرى تحويلها إلى إدانة لسالمين وحده، كما أسلفت. لكن، المؤكد أن إدانة سالمين لمنع نشوب حرب جنوبية شمالية وتدارك مقاطعات وعقوبات عربية ودولية شيء، وتصفية رئيس الدولة بسبب خلافات مستفحلة حول خيارات سياسية وصراعات داخلية على السلطة شيء آخر تماماً.

* قلتَ إن موازين القوى كانت في البداية لصالح سالمين. هل تغيّرت بعد اغتيال الرئيس أحمد الغشمي في الشمال؟
هناك أمور كثيرة أدت إلى اختلال موازين القوى ضد سالمين. أولها التخلي الصيني عن دعم اليمن، ما ترك الاتحاد السوفييتي الطرف الأوحد الذي يمكن التوجه إليه دولياً للمساعدة وتوفير التغطية. الثاني، خسارة حليف ثمين، هو إبراهيم الحمدي. الثالث، والأهم، أن وطنية سالمين أبت عليه الانبطاح أمام مصر أنور السادات أو العربية السعودية، مع أنه صاحب اجتهاد يقول بالبحث عن مواصلة الجهود للحصول على الدعم المادي من السعودية، وبأن العلاقة السياسية المتينة مع مصر السادات من شأنها أن تساعد على التسوية مع العربية السعودية. على أن سالمين قضى على احتمال التسوية والدعم مع الجار السعودي، إذ آثر التحالف مع عدوّها الشمالي، إبراهيم الحمدي، وتجاوز الخط الأحمر السعودي ضد أي تقارب، أو وحدة بين اليمنيين، وصولاً إلى دوره في اغتيال رجل السعودية الذي قاد الانقلاب ضد الحمدي، وتولي اغتياله.

* هل أحدثت تصفية سالمين غبناً لدى أبناء أبين، وكان مؤشراً لما سيحدث في العام 1986؟
المروّع في الأمر، قبل أي شيء آخر، هو الاستعداد السهل لدى الرفاق لقتل بعضهم. مع الوقت، اكتشفت أن هذا التقليد نشأ من أيام الكفاح المسلح، فقسم كبير من العمل الفدائي تلخّص في تصفية العملاء، وفي الريف ترافق إسقاط المناطق مع أعمال عنف وتصفيات بحق الحكام المحليين.
وإن أردتِ البدء من البداية، تجدين أن مجرد القبول بوحدانية التمثيل والانفراد بالسلطة بين الجبهة القومية وجبهة التحرير والاقتتال بين الجبهتين، أطلق هذه الآلة الجهنمية التي لم تتوقف عند حد. الانفراد والوحدانية أورثا الجبهة القومية والتنظيم الموحد، وتالياً الحزب الاشتراكي اليمني، تقليداً مروّعاً من التآمر والتصفيات.
علي ناصر محمد وفواز طرابلسي
الانقلاب على قحطان محمد الشعبي (أول رئيس لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية 1967- 1969)، في أول سنتين من عمر التجربة، وما رافقه من تصفية جسدية لرجل قوي ومؤثر، مثل فيصل عبد اللطيف، أطلق مسلسلاً من العنف الداخلي، لم يبادر أحد إلى قطع دابره، وأخذ يتعاظم تالياً على المستويين، الفردي والجماعي. ولعلّه يفيد الاستدراك أن عبد الفتاح إسماعيل حاول قطع دابر هذا التقليد، في نهاية عهده، إلا أن الإخوة الأعداء عاودوا الكرّة بأفظع من السابق في يناير/ كانون الثاني 1986.
دفعتْ محافظة أبين ثمناً باهظاً بعد تصفية سالمين، وقد كانت مع شبوة من ضحايا التصفيات التي رافقت تطهير الجيش. مورست ضدها أشكال من التمييز والاضطهاد، لا لشيء إلا لأنها منطقة ينتمي إليها سالمين. وسوف تترتّب على ذلك نتائج سلبية عدة في ما بعد. والمشهد الذي لا يزال منطبعاً في ذهني أنني زرت زنجبار بعد تصفية سالمين، وشاهدت تجمعاً لعدد كبير من النساء في حالة هياج، يتجمعن حول السجن، يطالبن السماح لهن بزيارة ابن أو زوج أو قريب أو الاستفسار عن مصير مفقود.

* يُحسَب لسالمين إشعال ثورة اجتماعية ومحاولة دمج المهمشين (الأخدام) في الحياة اليمنية؟
لم تكن الإنجازات التي مرّ ذكرها من صنع سالمين وحده، وإن تكن اللمسة الخاصة لسالمين فيها هي إطلاق المبادرات الجماهيرية، قصد فرض التنفيذ ونمط الغلوّ المميّز الذي أسميه النزعة المساواتية القبلية لديه. وصف الصحافي البريطاني ديفيد هيرست اشتراكية سالمين بأنها "اشتراكية بدوية بوجه إنساني". لن أتبنى صفة الإنساني لأي قيادي في التجربة الجنوبية لما سادها من عنف وتصفيات. لكني أقرأ عبارة هيرست على أنها تعني اشتراكية ذات نزعة مساواتية قبلية. لم يكن سالمين بدوياً. كان ينتمي إلى أسرة من الأحجور، أو ربما كانت أمّه تنتمي إلى الأحجور، والأحجور يشبهون الأخدام الشماليين، يعملون في مهن يدوية، بما فيها التنظيف والخدمة المنزلية، ملامحهم سمراء. وقد أخذتُ وقتاً لاكتشاف هذه الفئة من المجتمع اليمني. وإلى حد ما اكتشفت، فالأحجور موجودون في ساحل أبين بنوع خاص، وهم متحدرون من عبيد أرقاء أفارقة جيء بهم في وقت لم أستطع تحديده لممارسة العمل الزراعي والصيد، وكلاهما من المهن المحتقرة عند القبائل. لاحظي أن اسم عاصمة أبين هو "زنجبار". أما إذا كان المقصود بالبدو البدو الرحّل، فقد عُني سالمين عناية خاصة بتوطينهم وتعليمهم، ونجح في دمجهم بالخدمة العسكرية أكثر منه بالإنتاج الزراعي، كما كان يرغب.
في الخلاصة، أحتفظُ لسالمين بذكريات جميلة ونوادر مثيرة والكثير من الإعجاب. كان قائداً شعبياً يسمع بانتباه، يسأل باستمرار ويتعلّم كل الوقت، ويطالع بنهم، وهاجسه الرئيس أن اليمن الجنوبي بلد فقير، وكيف الحصول على الدعم والموارد ليساعد أبناء شعبه، ويرفع عنهم الفقر والعوز، ويحول دون تكوّن امتيازات اجتماعية للأقلية على حساب الأكثرية. وأشهد أن الفساد كان قليلاً في عهده سالمين، لتشدده في المحاسبة والعقاب.

مارون بغدادي
في أوخر عام 1976، بعد أن أمضيت فترة وجيزة في فرنسا، ورجعت إلى البلد، وكانت هناك أوامر بإلقاء القبض عليّ من السلطات السورية، وكنا نتفادى حواجز قوات الردع العربية، أمّن لي سالمين سيارة أتحرك فيها في بيروت، وحماية من قوات الردع اليمني العاملة في إطار "قوات الردع العربية" التي قادها أحد الضباط المؤيدين له، محمد مزربل، وكان موظفٌ في السفارة يتولى استقبالي في المطار بسيارته الدبلوماسية. ذات مرة أخلّ هذا الموظف في المهنة، فاستدعاه سالمين واعتقله، فتدخلت لإخلاء سبيله، والاكتفاء بالعقوبات المسلكية.
هذه نادرة. في عزّ الحرب الأهلية اللبنانية، وردتني برقية من رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، عن طريق السفارة في بيروت، تذكرني بوعدي إرسال خياطات إلى اليمن. فتصوّري النكات والسخرية عن دوري في إرسال "خياطات" إلى اليمن. والتساؤل إن لم تكن خياطات تعني ما تعني عادة، بالمعني المتداول في مصر خصوصاً، أم أن في الأمر شيفرة سرّية؟ طبعاً لم يصدقني أحد عندما شرحت لهم الأمر. فقد طلب مني سالمين إرسال عدد من النساء من لبنان لتدريب نساء يمنيات على الخياطة. وكان سالمين قد فتح مشغل خياطة في الرئاسة، لتشجيع اليمنيات على العمل.
وهذه نادرة أخرى. في زياراتي ومحاولاتي إيجاد مشاريع مالية للمنظمة في اليمن، خطر في بال أحد الرفاق، إسماعيل بواب، الواسع الخيال تجارياً، أن نقترح على اليمنيين تصنيع البطرخ من بزر السمك. عرض الفكرة على المسؤولين، وهذا آخر ما سمعته عنها، إلى أن وردتني برقية من سالمين، عن طريق الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين هذه المرة، بعد أشهر عديدة، وبعد أن نسينا الموضوع، يقول لي فيها إنه أرسل لي طائرة كاملة محمّلة ببزر سمك لتجفيفه وتحويله إلى بطرخ. أسقِط في يدي. الطائرة في المطار والجمرك يفرض على البضاعة الموضوعة في ثلاجاته رسوماً باهظة يومياً. أنجَدَنا الحزب الشيوعي بالرفيق نجيب الهبر، وهو تاجر مواد غذائية غامر فتسلّم الشحنة، وإلى الآن، لست أدري كيف تدبّر بها. ولن أضع في ذمّتي التكهّن عمّا حملته الطائرة في طريق عودتها إلى عدن.

* هل صدرت بيانات من الأحزاب اليسارية لإدانة اغتيال سالمين؟
صدر بيان باسم اللجنة المركزية لمنظمة العمل الشيوعي، تبدي فيه قيادة المنظمة الأسف للحل العسكري للنزاعات الحزبية. كتبت البيان بنفسي، ونشر في مجلة الحرية حينها. ولا أتذكّر كيف سلكت الأطراف اليسارية الأخرى. المؤلم كان طبعاً شماتة اليمين العربي.
أعترف لك بأن ردة فعلي على الحدث كانت ردة فعل مسؤول حزبي، يريد تطويق الحدث في أوساط الرفاق الذين كانوا يتابعون بإعجاب التجربة في اليمن الديمقراطي، ولهم تعلّق خاص بشخص سالمين. أذكر أن الرفيق والصديق السينمائي مارون بغدادي تعرّف على سالمين في زيارته اليمن، واصطحبه الرئيس في جولة إلى إحدى المزارع التي يُعنى بها. أعجِب مارون، أيما إعجاب، بشخص سالمين، وشهد على مدى تعلّق اليمنيين به. وقد فُجِع طبعاً لخبر مقتله. وأعتقد أن الحدث زعزع إلى أبعد حد إيمان مارون باليسار عموماً. وقد دوّن مارون ملاحظاته عن تلك الزيارة، وعن تصفية سالمين، اكتشفتها أرملته ثرياً بعد الوفاة، ونشرنا قسماً منها في مجلة "بدايات" (العدد السادس).


المساهمون