فنون الانتفاضة... ضرب على الطبول والحديد

29 نوفمبر 2019
الصورة
الموسيقى ترافق احتجاجات اللبنانيين (حسن بيضون)
+ الخط -
لم يقتصر التعبير عن رفض الفساد والطائفية ومحاربتهما، في الانتفاضة اللبنانية التي انطلقت قبل أكثر من 40 يوماً، على الخطاب السياسي المباشر، أو الاحتجاجات المطلبية التي ترفع شعارات واضحة، بل تعدّى الأمر ذلك، لتؤلّف الانتفاضة مشهداً فنياً لافتاً ومتنوعاً.
بحسب لانا (23 عاماً)، في حديث إلى "العربي الجديد"، فإن التعبير بالرسوم الساخرة، هو حالة لا تتنافى مع سعيها إلى المشاركة في الوقوف والهتاف وحمل العلم اللبناني، وأيضاً أن نرقص ونغنّي ونرسم، ونشارك في حلقات الدبكة، وحتى بالضرب على الحديد الذي يسيّج مبنى "التياترو" المهجور. لعل الصوت المدوي يصل إلى الفاسدين.
تعتقد لانا أن ما ترسمه على الجدران، قد يتحوّل إلى شعار، إذ سيرى الناس وكل المشاركين في الثورة عينة بسيطة بالألوان من رسائلنا إلى هذه السلطة التي تسعى إلى قتل المواطن واستغلاله بشتى الطرق والوسائل، ثمناً لبقائها على الكرسي.
مسافة قصيرة تفصل بين لانا ومجموعة محتجين يضعون الكوفية والعلم اللبناني، ويرددون أغاني للشيخ أمام، صوت الموسيقى الثورية يأتي من مكبري صوت وُضعا على شاحنة مقابل تمثال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رياض الصلح.
وعلى مقربة منهم، هناك مجموعة من المراهقين، تسلقوا سطح مبنى مهجور، مسقوف بالحديد، حملوا آلات العود والإيقاع، يعزفون ألحاناً تعبر عن حماستهم. يقول أحدهم: "قبل سنوات تعلمت العزف على الطبلة، بالفطرة، واليوم أحببت المشاركة في الشارع للتعبير عن الغضب من المسؤولين في لبنان". يؤكد الشاب أن الناس تقف أمامهم لتسمع وتلتقط لهم فيديوهات وصوراً.
عرض مسرحي آخر، على مبنى "اللعازارية" التاريخي الضخم. مجموعة من الفتيات والشبان قدموا مسرحية تروي قصص الفساد. لمدة أكثر من نصف ساعة، يواجه القضاء اللبناني أحكاماً أطلقها هؤلاء الذين تقمصوا شخصيات القضاة والمحامين، ليعلنوا في نهاية العرض أن السيناريو من وحي الخيال، لكنه يطرح قضية الفساد والتوجّه للمحاسبة، من باب لفت نظر المتظاهرين، وحثهم على البقاء كي ينال كل الفاسدين عقابهم.
الطبل و"الدي جي" يسيطران على ما تبقى من مساحات في ساحة الشهداء، والمواقف المتفرعة منها. تحولت الساحة مع الوقت إلى كتلةً من الحماس الذي يحاكي غضب المتظاهرين، خصوصاً في ساعات الذروة التي تمتلئ بها الساحات.
موسيقى صادحة تدفع الجماهير إلى تشكيل حلقات رقص "دبكة"، تنقل مزاج الثورة والفرح في آن. شبّان موهوبون من عازفي الطبول يقفون أمام الراقصين ليزيدوا المشهد صخباً. ثمة حالات فنية تضاعف، لا تقل أهمية عن نشر ثقافة فنية رغم المأساة والهموم اللبنانية المعيشية الثقيلة. لغة يعتبرها كثيرون نوعاً من الاحتجاج أو التعبير السلمي المرادف لكل عمليات التشويه التي يفرضها البعض المعارض للانتفاضة، الذي يسعى إلى تخريبها بشتّى الوسائل والطرق، خصوصاً عبر اللجوء إلى العنف.

المساهمون