انفجار بيروت... فنانات لبنان بين السياسة والسذاجة

13 اغسطس 2020
الصورة
مواقف ثورية على حساب إليسا على تويتر (فيسبوك)

في لبنان، الكلّ له في السياسة، خصوصاً المشاهير والمقرّبين من السلطة الحاكمة، أو المستفيدين من النظام. تارةً تكون مواقف هؤلاء مصنّعة على شكل "وطنية" وبروباغندا تحكي للناس عن "الصح والخطأ" بحسب أهواء هؤلاء ومبتغاهم، وتارةً تكون واضحة التوجّه والتبعية السياسية والحزبية. حتى العام الماضي، كان الفنانون "التجاريون" يروّجون للطبقة الحاكمة، فيما فنّ "الأندرغراوند" يعمل على التوعية السياسية والحشد الفكري. لكنّ الأشهر الأخيرة أفرزت طبقةً جديدة، منحازة للناس، وتحديداً بعد ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، فيما باتت تبعية آخرين واضحةً أكثر من أي وقتٍ مضى. خلال الأسبوع الماضي، وتحديداً بعد انفجار مرفأ بيروت، بدأت رقعة تلك التوجّهات تتسع.
كان الفنانون بين المتضرّرين الأوائل في انفجار بيروت، والذي تسبب بمقتل 171 شخصاً وإصابة أكثر من ستة آلاف بجروح، مع استمرار فقدان قرابة عشرين شخصاً وتشريد 300 ألف شخص. فمرفأ بيروت يقع وسط العاصمة، فيما أغلب الأبنية الشاهقة فيها ارتفعت أمام مشهد البحر وحجبت السماء عن بيوت بيروت القديمة، والتي كان لها النصيب الأكبر من الدمار في الانفجار. ومن هذا المنطلق، أتى أغلب التفاعل الفني مع الانفجار الدامي. فقد تضرّروا شخصياً منه، حالهم حال كلّ القاطنين في هذه المنطقة. لكنّ انفعالات الفنانين وآراءهم تفاوتت، لتُظهر تبعيّةً عمياء أو سذاجةً سياسية، أو حتى إنسانية ووعياً غير متوقعين. 
خلال الآونة الأخيرة، عُرفت إليسا بمواقف سياسية وإنسانية لا تشبه آراء الجبهة الفنية، خصوصاً لجهة تأييدها ثورة 17 تشرين. تضرّر منزل إليسا في منطقة الأشرفية من الانفجار، وأعربت في سلسلة منشورات عن حزنها على بيروت. لكنّ اللافت كان إعلان الفنانة "اعتذارها" عن انتمائها السياسي والحزبي السابق، في إشارةٍ إلى تأييدها لحزب القوات اللبنانية (يرأسه سمير جعجع). وقالت إليسا في تغريدة، الإثنين: "بعتذر عن تأييدي أيا حدا بأيا يوم من الإيام حزبياً أو سياسياً أو حتى برئاسة الجمهورية. كلن خذلونا والفرق إنو نحنا عنا الجرأة نعترف بوقت غيرنا مصرّ يغمّض عيونو عالغلط. أنا اليوم بعلن انتمائي لأرضي وشعبي وبس".

كلام إليسا فُهم كردّ على كلام جعجع في مؤتمر صحافي، الاثنين، قال فيه إنّ "ليس الجميع فاسداً"، رافضاً شمل حزبه مع الطبقة السياسية في الاتهامات بالفساد، والذي يقول اللبنانيون إنّه كان السبب في انفجار المرفأ، بعد ترك أطنان من مادة نترات الأمونيوم قرب بيوت الناس وأرزاقهم لسنوات. كما دعا لإجراء انتخابات نيابية مبكرة وفق القانون الحالي، والذي يقول اللبنانيون إنّه سيفرز نفس الطبقة السياسية والتوازنات الطائفية.

غير بعيدةٍ عن إليسا، تأتي هيفا وهبي، المغنية الاستعراضية التي لا تزال تعاني من تأثيرات محاولة رجل أعمالها المصري سرقتها. دوّنت هيفا بعض المواقف الوطنية. وقالت في تغريدة "فينا نطلب طلب صغير؟ ما بدنا نموت منفجرين! اتركوا ربنا يرسم قدرنا مش انتو! بدنا نعيش بكرامة! لبنان بيستحق يكون بخير وشعبه يكون بأمان! #لبنان_ينتفض". أما نانسي عجرم فلم تقل الكثير، وهي التي عجّ منزلها بالسياسيين والمشاهير دعماً لها، بعدما قيل إن منزلها تعرّض لمحاولة سرقة، قَتَل على إثرها زوجها فادي الهاشم مقتحم منزلهما. وخلال أسبوع، تبرعت عجرم بمبلغ صغير، وكتبت 3 تغريدات، كان آخرها سؤال "انتبهتوا تشيلوا جملة من أغنية لأنو فيها كلمة "ثورة" وما انتبهتوا تشيلوا 2750 طن مواد متفجرة من مرفأ بيروت؟".


لكن ليس لجميع المتأثرين بالانفجار نفس الموقف. الممثلة نادين نسيب نجيم، وهي المصابة في الانفجار واضطرت للنزول 22 طابقاً حافيةً فوق الزجاج لتنقذ حياتها، أعلنت في ردّها عن قرارها بالهجرة نهائياً من لبنان. 


وما قد يعدّ "جرأةً" في كلام إليسا، لا يقابله نفس الموقف من فنانين لبنانيين آخرين، حتى لو رفعوا صوتهم، خصوصاً من الذين يطلبون الدعم السياسي أو المساعدة الإنسانية من أنظمة استبدادية معروفة بقتل شعوبها أو قمعهم وحرمانهم. وهذا ليس زلّة، فالفنانون هم الواجهة الأولى المروّجة لجهات الاستبداد، مقابل شهرة و/ أو مبالغ مالية.

وظهرت تلك السذاجة في تغريدةٍ كتبتها المغنية مايا دياب، والتي دعت ولي عهد السعودية محمد بن سلمان للتدخل ضد الطبقة السياسية اللبنانية. وبينما للسعودية دورٌ شهير ومعروف في لبنان، تسبّبت التغريدة بحملة ساخرة مما كتبته المغنية، إذ اعتبرها العديد من مستخدمي مواقع التواصل استجداءً للغناء في مهرجانات السعودية. لكنّ دياب ليست وحيدة في هذا النوع من المواقف. فمع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان، خرجت الممثلة كارمن لبس (وغيرها) في تغريدةٍ دعت فيها إلى عودة الاستعمار الفرنسي. وفيما كان ذلك تعبيراً عن السخط من القيادات فقط، إلا أنّه تسبب بأن تنهال الانتقادات على كارمن لبّس التي بدأت حياتها الفنية من مسرح الرحبانة والمقربة من زياد الرحباني المعروف بميوله اليسارية.


ولم تسلم الفنانة ماجدة الرومي من الانتقادات، بعدما نزلت إلى شوارع بيروت المدمّرة، بعد أيام قليلة على الجدل حول حذف كلمة "ثورة" من أغنيتها "ست الدنيا بيروت"، لتتحدث عن الفساد والأسف، من دون أن تسمي زعيماً واحداً، وهي التي عُرفت بقربها من أحزاب وشخصيات سياسية لبنانية، وبغنائها لعدد كبير من الزعماء القتلَة في العالم العربي.