فلسطين 2018... الاحتلال يمعن في بطشه و"أونروا" إلى تراجع

01 يناير 2019
الصورة
احتجاجات في الضفة الغربية (وسام هشلمون/ الأناضول)
+ الخط -


لم يكن عام 2018 في الضفة الغربية المحتلة مثلما حلم به الفلسطينيون. منذ 70 عاماً، لم يأتِ أيّ من الأعوام على مستوى أحلامهم وطموحاتهم. وانقضت أيّام العام المنصرم كما غيرها، وسط قلق مستمر تختلف أسبابه.

شهد عام 2018 أحداثاً كثيرة في الضفة الغربية المحتلة، منها احتجاجات رفضاً لقانون الضمان الاجتماعي الذي أقرّته الحكومة الفلسطينية وأعلنت بدء تنفيذه في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وأخرى مدينة العقوبات التي فرضتها السلطة الفلسطينية على قطاع غزة المحاصر، وثالثة محتجة على إحالة عدد من الفلسطينيين إلى التقاعد القسري المبكر. كذلك شهد العام المنصرم تقليص خدمات وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، خصوصاً بعد إعلان الإدارة الأميركية قطع المساعدات التي تقدّمها للوكالة، علاوة على اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم.

وقبل إقرار قانون الضمان الاجتماعي بنحو شهر، نفّذ آلاف العمال والموظفين في القطاع الخاص احتجاجات في ميادين عدّة في محافظات الضفة الغربية رفضاً لبعض بنوده وطالبوا بعدها بإلغائه. ونقل العمال اعتصاماتهم إلى أمام مقرّ الحكومة الفلسطينية في مدينة رام الله، مطالبين بإلغاء القانون، بينما علّقوا دواماتهم في أماكن عملهم جزئياً.

ورفضت مؤسسات المجتمع المدني ذلك القانون بصيغته الحالية، وطالبت بضرورة تعديل بنود عدّة منه، واعترضت على ما سمته تفرّد رئيس مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي في إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي. كذلك انسحب عدد من ممثلي النقابات المهنية والقطاع الخاص من عضوية إدارة مجلس مؤسسة الضمان الاجتماعي، مطالبين بضرورة تعديل القانون، واعتصموا في الميادين العامة حيث بقوا لأيام عدة. وعلى الرغم من إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في أكثر من مناسبة، إمكانية إجراء تعديلات على القانون وإعلان الحكومة الفلسطينية إرجاء تنفيذه حتى 15 يناير/ كانون الثاني الجاري وجدولته، واصل آلاف العمال والموظفين في القطاع الخاص احتجاجاتهم، مطالبين بإلغائه. وأشاروا إلى أنّ الحكومة أو اللجنة الوزارية المشكّلة لإقامة حوار حول تعديل القانون لم تتواصل معهم.

اجتجاجات في نابلس (جعفر أشتيه/ فرانس برس) 

تجدر الإشارة إلى أنّ الأيام القليلة الماضية شهدت تطوّراً في قضية إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي، وأعلنت الحكومة الفلسطينية "التنسيب إلى الرئيس محمود عباس بإعارة رئيس هيئة التقاعد الفلسطينية ماجد الحلو إلى مؤسسة الضمان الاجتماعي، لمدّة سنة"، بينما أعلن المدير العام لمؤسسة الضمان الاجتماعي أسامة حرز الله استقالته من إدارة مؤسسة الضمان، مبدياً تحفظه على أسباب تلك الاستقالة مثلما أكّد لـ"العربي الجديد".

على صعيد آخر، شهد عام 2018 أحداثاً عدّة تتعلق بوكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، لعلّ أبرزها استقالة مدير عمليات الوكالة في الضفة الغربية سكوت أندرسون لأسباب عائلية، فيما عزا ناشطون استقالته إلى رفض استقباله في الضفة. واستمرت الاحتجاجات هناك في ظل تقليص الوكالة خدماتها، إذ إنّه من شأن ذلك أن يؤدّي إلى تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين وإنهاء عمل الوكالة في إطار خطّة أميركية إسرائيلية، كونها الشاهد الأول والوحيد على نكبة الفلسطينيين وتهجيرهم من أراضيهم المحتلة في عام 1948.

وقد فصلت "أونروا" 159 مدرّساً ومدرّسة من حملة شهادات الدبلوم، كان آخرهم مدرّس من مخيّم عسكر الجديد شرقيّ نابلس، بالإضافة إلى دمج التلاميذ في المدارس، الأمر الذي أدّى إلى اكتظاظ داخل الصفوف، وبالتالي توجّه بعض الأهالي إلى المدارس الخاصة. وشمل تقليص الخدمات السلال الغذائية والمؤن، إذ تحوّلت إلى بطاقة إلكترونية قيمتها أقلّ بكثير ممّا كان يُقدَّم في السابق. ويرفض الفلسطينيون أيّ مساس بحقوق اللاجئين، و"أونروا" هي المخوّلة توفير احتياجاتهم وتأمين فرص عمل لهم، إلى حين حلّ قضيتهم وعودتهم إلى بلداتهم ومدنهم التي هجّروا منها قسراً. ويرى اللاجئون أنّ المساس بالوكالة من شأنه إنهاء حلم العودة ليبقوا في المخيمات.




في السياق، يقول منسّق لجنة "عودة" في مخيّم بلاطة بنابلس عماد الدين شتيوي لـ"العربي الجديد"، إنّ "هذا العام شهد أحداثاً كثيرة، وما زالت قضية اللاجئ ووكالة أونروا نصب أعيننا". يضيف: "مطالبنا قائمة وحراكنا مستمر ولن نقف مكتوفي الأيدي أمام تقليص الخدمات الذي يؤثر على اللاجئ الفلسطيني والذي يعاني بسبب الظروف المعيشية الصعبة". ويلفت شتيوي إلى أنّ "الاجتماعات مع المؤسسات والناشطين مستمرة، ونعمل على تنظيم فعاليات ضد سياسة وكالة أونروا، وندرس كل المبادرات التي تقدّمها الوكالة حتى لا تكون من ضمن الخطوات التي تساهم في إنهاء عملها وطمس حقوق اللاجئين".

في عام 2018، أحالت الحكومة الفلسطينية 132 موظّفاً مدنياً (117 مدرّساً و15 موظفاً في وزارة الصحة) إلى جانب 454 عنصراً في الأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى التقاعد القسري المبكّر. وجاء القرار بناء على مرسوم قرار بقانون مؤقت لمدّة ستة أشهر بالنسبة للموظفين المدنيين وسنة للموظفين العسكريين، علماً أنّه يسمح للحكومة الفلسطينية بإحالة الموظف إلى التقاعد. ولجأ المحالون على التقاعد إلى التظاهر في الشوارع والميادين العامة وأمام مقرّ الحكومة الفلسطينية في رام الله، في حين لجأ بعضهم إلى القضاء الفلسطيني في محاولة لإبطال القرار وإعادتهم إلى أعمالهم. كذلك شهدت مناطق عدّة في الضفة الغربية، خصوصاً مدينة رام الله، احتجاجات مطالبة برفع العقوبات التي أقرّتها السلطة الفلسطينية على قطاع غزة، مطالبة بضرورة رفع تلك العقوبات.

وبعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعلان القدس عاصمة لإسرائيل في شهر ديسمبر/ كانون الأول من عام 2017، ونقل السفارة الأميركية لدى دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى مدينة القدس، شهدت محافظات الضفة الغربية احتجاجات رافضة للقرارَين استمرّت لأشهر. واندلعت مواجهات في عدد من مواقع التماس مع الاحتلال في محافظات عدّة، أصيب في خلالها مئات الفلسطينيين، بينما شهد العام ذاته احتجاجات رافضة لوجود مؤسسات أميركية على الأراضي الفلسطينية بعد قرارات ترامب المنحازة للاحتلال.

تظاهرة رفضاً لقانون الضمان الاجتماعي في رام الله (عباس مومني/ فرانس برس)


من جهة أخرى، استشهد في عام 2018 خمسة أسرى في داخل سجون الاحتلال، هم وسام الشلالدة وياسين السراديح وعزيز عويسات وحسني عطا الله ومحمد الخطيب، ليصل عدد الشهداء الأسرى منذ عام 1967 إلى 218 شهيداً. وتشير عائلة الشهيد صالح البرغوثي من قرية كوبر، شمال غرب رام الله وسط الضفة الغربية، والذي استشهد في 11 ديسمبر/ كانون الأول المنصرم، إلى احتمال أن تكون قوات الاحتلال قد قتلت ابنها وصفّته بعد اعتقاله.

في خلال العام المنصرم، استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي مدناً وبلدات فلسطينية من خلال إغلاق مداخلها، ما اضطرّ الفلسطينيين إلى سلوك طرقات بديلة، عدا عن اعتداءات المستوطنين عليهم وعلى ممتلكاتهم، وكتابة شعارات عنصرية وتعطيل إطارات سياراتهم، خصوصاً بعد قيام مقاومين فلسطينيين بتنفيذ عمليات ضدّ إسرائيليين. يُذكر أنّ قوات الاحتلال تفرض عادة عقوبات جماعية على المناطق التي يسكنها منفذو تلك العمليات وعلى عائلاتهم، فتهدم منازلهم وتعتقل أقاربهم.

في سياق متصل، استشهدت الفلسطينية عائشة محمد الرابي، وهي أمّ وربّة منزل من بلدة بديا، شمالي الضفة الغربية، من جرّاء إصابتها بحجارة المستوطنين حين كانت عائدة من مدينة الخليل إلى قريتها بعد زيارة ابنتها. والرابي هي واحدة من الضحايا الذين يسقطون بسبب تعرّض مئات المركبات الفلسطينية إلى اعتداءات مفاجئة من قبل المستوطنين، علماً أنّ الأخيرين يعملون من ضمن خطط محكمة وينظّمون هجماتهم ويعتدون على الفلسطينيين بصورة دائمة، ويغلقون الطرقات الرئيسية متى شاؤوا. وفي كل مرّة تنفّذ فيها عملية فدائية، يغلق المستوطنون الشوارع الرئيسية ويتجمّعون عند مداخل المستعمرات ويرشقون المركبات الفلسطينية بالحجارة، ما يؤدّي إلى إصابات بين الفلسطينيين. عدا عن ذلك، فإنهم يهاجمون القرى والبلدات ويعتدون على البيوت والأهالي من دون رقيب.




ويواصل المستوطنون سرقة الأراضي الفلسطينية. في الضفة المحتلة، يتوسعون شيئاً فشيئاً بطريقة منظّمة من خلال جرف الأراضي التي لا يستطيع الفلسطينيون الوصول إليها إلا بتنسيق مسبق مع الاحتلال، والذي يتحقق مرة واحدة في العام ولمدّة يومَين أو ثلاثة. وقد اقتحم هؤلاء جبل الريسان (غرب رام الله) وجبل نعلان (شمال غرب رام الله) بهدف استيطانهما. ويعمد المستوطنون إلى زراعة الأرض ووضع سياج من حولها، في حين تأتي اعتداءاتهم دائمة على أشجار الزيتون. وفي خلال العام المنصرم، قُطعت آلاف أشجار الزيتون المثمرة وخُرّبت الأراضي وسُرقت ثمار الزيتون. هكذا، تحوّل المستوطنون إلى مصدر قلق دائم للفلسطينيين والقاطنين في القرى والبلدات البعيدة، فلا أحد يعلم متى ينفذون هجماتهم. يُذكر أنّهم اقتحموا أماكن دينية في مناطق عدّة بالضفة الغربية، بالإضافة إلى مقابر في الخليل والقدس، بينما شهد المسجد الأقصى اقتحامات لباحاته من قبل آلاف المستوطنين.

من جهة أخرى، كانت محاولات من قبل الاحتلال الإسرائيلي لتهجير سكان قرية الخان الأحمر، شرقي القدس المحتلة، في إطار مخطط استيطاني إسرائيلي. فقامت حملات تضامن من قبل ناشطين فلسطينيين وأجانب، سُجّل في خلالها رفض دولي لقرارات الاحتلال، الأمر الذي جعله يرجئ هدم القرية وترحيل السكان. وثمّة متضامنون ما زالوا موجودين في الخان الأحمر من أجل التصدي لتلك المحاولات الإسرائيلية.