فلسطين على هامش الانتخابات الإسرائيلية

فلسطين على هامش الانتخابات الإسرائيلية

28 ابريل 2019
+ الخط -
يقسّم حكم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى فترتين، الأولى: بدأت حين هزم شمعون بيرس عام ١٩٩٦ وخسر منصبه لصالح إيهود باراك عام ١٩٩٩. أما الفترة الثانية فقد بدأت عام ٢٠٠٩، ولا يزال يحتفظ بالمنصب حتى يومنا هذا. بين نتنياهو التسعينيات، ونتنياهو ما بعد الألفين يكمن فرق شاسع في الأداء (وليس المواقف).

تلقى نتنياهو ("الشاب الواعد") "تعليمه الجامعيّ في الولايات المتحدة، وأطلق على نفسه اسم "بنجامين نتاي" استطاع أن يبني اسمه من خلال المحافل الدوليّة وتمثيل إسرائيل في الأمم المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي وامتاز بظهوره الإعلاميّ ولغته الإنكليزيّة الرشيقة، وعاد بعدها إلى إسرائيل واستطاع أن يكون ضمن قيادة حزب ليكود، إلى أن وصل إلى قمّة الحزب وفوزه برئاسة الحكومة.

لكن نتنياهو، صاحب التصريحات الناريّة المعارضة لأوسلو وقيام دولة فلسطينيّة، لم يملك استراتيجيّة واضحة لقيادة الدولة العبريّة، ولم يصمد أمام المناخ الدوليّ المؤيد لإقامة دولة فلسطينيّة (دون تحديد شكل هذه الدولة) لم ينجح في معادلة "الأمن" من جهة، و"السلام" من جهة أخرى، كما وعد في حملته الانتخابيّة. عارض، ولا يزال يعارض، إقامة دولة فلسطينيّة، لكنه وجد نفسه أمام خيارات صعبة بين رغبته وقناعاته كشخص تربى في بيت يميني ويعارض قيام الدولة الفلسطينيّة، وبين الالتزامات الدوليّة التي تجبره على الأقل على مواصلة مفاوضات السلام مع الفلسطينيين تحديدًا بعد "صدمة" اغتيال رابين. فواصل نتنياهو محادثات طابا وواي بلانتيشن ووقع ما عرف باتفاق الخليل، ما منح معارضيه في حزبه سببا للهجوم المباشر ضده. عرَّض نتنياهو السلام الإسرائيلي مع الأردن للخطر عام ١٩٩٨ بعد أن فشل الموساد في اغتيال القيادي في حماس خالد مشعل من خلال رشّ مادة سامّة على عنقه. واحتجزت الأردن عميلَي موساد مقابل أن ترسل إسرائيل سمًّا مضادًا لإنقاذ حياة مشعل القابع في أحد المشافي الأردنيّة، إضافة إلى مطالبة الملك حسين بإطلاق سراح مؤسس حماس أحمد ياسين من السجن مقابل العميلين.. وكشف أحد الكتب الإسرائيليّة من تأليف الصحافيّ نيسيم مشعال، تصريحات لأرييل شارون قال فيها إنَّ نتنياهو لا يصمد في وضعيات الضغط، وإنه خلال أزمة مشعل "تحطم إلى قطع، وكان علينا إعادة تركيبه من جديد".

انتهت ولاية نتنياهو الأولى بشكل دراماتيكي، مع حل الكنيست وانهيار حكومته واعتزاله السياسة لفترة وجيزة وتحطم ليكود، سافر من خلالها إلى الولايات المتحدة، دون أن يترك أثرًا واضحًا في السياسة الإسرائيليّة وتولى أرييل شارون مهمة ترميم الحزب. في ولايته الأولى، لم يحقق نتنياهو خطوات سوى كونه رئيس الوزراء الأصغر سنًا في تاريخ إسرائيل، والوحيد الذي ولد في إسرائيل بعد قيامها.

لكن في العام ٢٠٠٩، وصل نتنياهو إلى سدّة الحكم في وضعيات مغايرة، بعد أن راكم خبرة سياسيّة واضحة في الاقتصاد والسياسة. وفهم أنّ في السياسة الإسرائيليّة ينبغي الحديث عن السلام ولا يهم تطبيق هذه الرؤية. وألقى خطاب بار إيلان بعد انتخابه، الذي وصف بأنه "اعتراف" بإقامة دولة فلسطينيّة منزوعة السلاح دون القدس ودون اللاجئين. دولة أشبه ببلدية لا يمكن للفلسطينيين- حتى "المعتدلين" بنظر الإسرائيليين- قبولها. وعمل نتنياهو بشكل مدروس وتصميم واضح على وضع القضيّة الفلسطينيّة على هامش الجدل السياسيّ والحملات الانتخابيّة.

لقد سعى نتنياهو وبشكل ممنهج إلى خلق عدوّ جديد اسمه "إيران النووية"، واصفا إياها بأنها "خطر وجوديّ" على إسرائيل، واستطاع من خلال هذا أن يجمع حلفاء عرباً يرون خطرًا في إيران لا في إسرائيل. وحوّل النقاش السياسيّ في إسرائيل إلى جدل حول الملف الإيراني الأمر الذي أبعد القضيّة الفلسطينيّة عن سلم الأولويات. لكن نتنياهو لم يكن لينجح في هذه المهمّة لولا الانقسام الفلسطيني، ووجود قيادة فلسطينيّة في الضفة الغربيّة مشروعها التفاوض. إضافة إلى وجود مناخ عربيّ ما بعد الثورات العربيّة يؤيد بشدّة التشديد على "الخطر الإيراني" حتى لو كان على حساب القضيّة الفلسطينيّة. كما استغل نتنياهو التوتر الحاصل مع إدارة أوباما التي سعت نحو تجديد المفاوضات، وكأنه "الصامد الأزلي" في وجه "الضغوط الأميركيّة". الأمر الذي عزز مكانته في معسكر اليمين الإسرائيلي.

في الانتخابات الأخيرة عام ٢٠١٩، عزز نتنياهو مكانته قائدًا للمعسكر اليميني المتشدد. استطاع أن يقود حملة انتخابيّة ضد منافسيه دون أن يقحم القضيّة الفلسطينيّة. وهذا حال سريالي حين تكون دولة محتلة، لا يشغل الاحتلال حيّزًا في حملاتها الانتخابيّة سوى على الهامش. في الانتخابات الأخيرة، لم يكن هناك حديث عن مفاوضات سلميّة. ولم يعد الحديث عن فلسطين ككيان، بل شغلت غزة حيّزًا في الحملات الانتخابية كإشكاليّة أمنيّة ينبغي حلّها من خلال "القوة" و "المزيد من القوة".

في سنوات حكم نتنياهو- الذي يتباهى بأنه يتمتع بعلاقات مع دول عربيّة- بدأت القضيّة الفلسطينيّة تتلاشى من المعايير الانتخابيّة الإسرائيلية وتجلى هذا واضحًا في الانتخابات الأخيرة. ولعل إعادة انتخابات نتنياهو، تبيّن أن الأغلبيّة في إسرائيل، وتحديدًا تلك التي تدعم نتنياهو رئيسًا للحكومة، لا تعترف أساسًا لا في دولة فلسطينيّة ولا تضع القضيّة في سلم أولوياتها. وسعى نتنياهو (ومعارضوه) من خلال الانتخابات نحو التركيز على قضايا إسرائيليّة داخليّة والحد من صلاحيات السلطة القضائيّة والمحاولات لمنح حصانة لنتنياهو كي لا يحاكم في قضايا الفساد المتهم فيها.

مع اعتلاء دونالد ترامب سدّة الحكم في البيت الأبيض، نال نتنياهو تشجيعًا منقطع النظير. صعود ترامب حول الجدل في إسرائيل، وبدلا من الحديث عن إقامة دولة فلسطينيّة، وسع الثنائي ترامب ونتنياهو من شرعة الاحتلال، حيث منح ترامب اعترافًا أميركيًّا للسيادة الإسرائيلية على منطقة الجولان المحتل عام ١٩٦٧. في ظل حديث عن سعي نتنياهو لضم مناطق فلسطينيّة محتلة للسيادة الإسرائيلية. وهي مرحلة جديدة تدخلها القضية الفلسطينية. من حالة الجمود ووقف التفاوض إلى حال الضم وتعزيز الاحتلال أكثر وللأبد.

المساهمون