فلسطين بين النكبة والنكسة والانقسام

فلسطين بين النكبة والنكسة والانقسام

21 مايو 2017
الصورة
من تشييع الشهيدة فاطمة حجيجي في رام الله(عصام الريماوي/الأناضول)
+ الخط -

مناسبات عديدة يحييها الفلسطينيون، في شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران من كل عام، وجميعها لها في قلوبهم حسرة، وتترك في نفوسهم حرقة، ولا تغادرهم إلا وقد خلفت جروحا تأبى أن تندمل حتى تحل الذكرى السنوية التالية في العام المقبل.
 
أولى هذه المناسبات الحزينة هي نكبة الفلسطينيين في ذكراها التاسعة والستين، حيث ضياع فلسطينهم، وحلول كيان احتلالي إحلالي بدلا منها، اغتصب أرضهم، وهجر أهاليهم، واحتل مقدساتهم، إلى غير ذلك من مفردات التغريبة الفلسطينية التي تتجدد مع كل انتهاك يقترفه الاحتلال الإسرائيلي في مختلف الأراضي الفلسطينية.

أما عن نكسة فلسطين، فهي الاسم المشفر للهزيمة النكراء التي حلت بأمة ملء السمع والبصر، لم تحافظ على ما تبقّى من فلسطين، بل ضيّعوها، وضيّعوا معها مساحات شاسعة من بلادهم في أيام ستة، ما زالت إسرائيل تتغنى بها، حتى اليوم، وإلى أجل غير مسمى.

أما ثالثة الأثافي التي سيعيش الفلسطينيون ذكراها العاشرة بعد أيام قليلة، فهي الانقسام البغيض، الذي يضرب أطنابه بينهم، حتى تدخل في تفاصيل التفاصيل، ولم يترك شاردة ولا واردة إلا ترك آثاره السيئة فيها، يذكرنا صباح مساء أنه حصل ليبقى ويستمر، إلى ما شاء المنقسمون.

هذه الأحداث المتجددة ذكراها في كل عام، تطرح أسئلة دورية حول مكان الفلسطينيين على خارطة العالم عموماً، والعرب خصوصاً، وما هو الحيز الذي يشغلونه في دوائر صنع القرار الإقليمي والدولي، وكيف لهم أن يفرضوا على متخذي القرار أجندتهم الوطنية، إن تمكنوا من ذلك؟


النكبة... القديمة الجديدة

في مثل هذه الأيام قبل قرابة عقود سبعة، وقعت النكبة الفلسطينية، وضاعت فلسطين، كنز العرب المفقود، ونجحت العصابات الصهيونية في لحظة غائبة من الزمن أن تحقق مشروعها الاحتلالي الاستيطاني على أرض فلسطين، من دون اكتفاء بما منحه إياها المجتمع الدولي في حينه ضمن قرار التقسيم.


كان واضحا من مجريات الأحداث التاريخية التي وقعت قبل تسعة وستين عاما بالتمام والكمال أن فلسطين مقبلة على كارثة سياسية وتاريخية، ليس من باب التنجيم والتنبؤات، لكن طبائع الأمور وصيرورة الأحداث لم تترك لكل ذي بصر وبصيرة أن الفلسطينيين في طريقهم إلى ضياع وطنهم، سواء لأسباب ذاتية أو موضوعية، وهو ما حصل.

وما زال الفلسطينيون يحصدون ثمار هذه النكبة مُرّة علقمية حتى كتابة هذه السطور، وهو ما يجعلها أساس الداء وأس البلاء، ورأس كل النكبات التي توالت على الفلسطينيين منذ عام 1948.

رغم أن هذه السطور ليست بغرض الاستعراض التاريخي لأحداثٍ مضت وانقضت، لكنها فرصة لمحاولة التعرف على الواقع السياسي الفلسطيني اليوم، وهل استخلص الدروس فعلاً من نكبة الأمس، كي لا تتكرر نكبة اليوم أو الغد، أم أن ما كانت تعانيه القضية الفلسطينية عشية النكبة ما زال حاضراً قائماً، وربما يزداد قتامة وسوءا.

سواء كنا مؤمنين بالقاعدة القائلة إن التاريخ يعيد نفسه أم لا، لكن قراءة متبصّرة للنكبة الأولى لا تجعلنا بعيدين عن استشراف نكبة أخرى قادمة في الطريق، إن لم توقفها معجزة من السماء، مع أن زمن المعجزات قد فات وانقضى، لكن معطيات السياسة الفلسطينية والإسرائيلية والإقليمية والدولية، ربما تقطع الشك باليقين أن الفلسطينيين باتوا قاب قوسين أو أدنى من نكبة جديدة.

الحراك السياسي والدبلوماسي الذي تشهده الأراضي الفلسطينية وإسرائيل والدول المجاورة لهما، يرسل إشارات، تقترب أو تبتعد قليلاً أو كثيراً من قناعات سياسية مفادها أن الواقع الذي أفرزته النكبة الأولى، القائم على وجود دولة يهودية، قد بات أمراً مفروغاً منه، تسليماً بالأمر الواقع، أو اعترافاً فلسطينياً وعربياً به.

لكن الشطر الآخر من النكبة المتعلق بإقامة دولة فلسطينية لمن تبقّى من سكان الأرض الفلسطينيين داخل حدود فلسطين الانتدابية تحيط به شكوك كثيرة، وتحوم حوله سيناريوهات تم إخراجها من أدراج وزارات الخارجية الإسرائيلية والعربية والغربية، سواء إعلان إسرائيل ضم ما تبقى من الضفة الغربية إليها، أو استعادة السيطرة الأردنية مجدداً إليها، أو الاكتفاء بمنظومة كانتونات منعزلة لا يجمعها نظام سياسي واحد داخل الضفة ذاتها، أما عن قطاع غزة فهو خارج الحسبة كلياً.

النكسة... الأسباب ذاتها

أيام قليلة ويُحيي الفلسطينيون والعرب معاً ذكرى نكستهم الكارثية أمام إسرائيل، هذه النكسة التي أريد بمسماها المضلل أن تخفي هزيمة نكراء قاسية جللت أنظمة سياسية حكمت العرب بالحديد والنار سنوات وعقودا، لكنها لم تصمد ساعات قليلة أمام دولة ناشئة لم تتم عقدها الثاني بعد.

كشفت النكسة، التي يمر عليها اليوم خمسون عاماً بالتمام والكمال، كم كانت شعارات "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" مجرد خوار بلا معنى، يطلقه من تحكّموا بمصائر البلاد ورقاب العباد، ولم يطلقوا رصاصة باتجاه إسرائيل خلال أيام ستة قضى فيها سلاح الجو الإسرائيلي على ما تبقى من كرامة عربية ضاع نصفها في النكبة الأولى.

اليوم في ذكراها الخمسين، لم تختلف الظروف العربية كثيرا، بل ربما ازدادت سوءاً، فإسرائيل قبل خمسة عقود كانت دولة عدوة يجب القضاء عليها، وتوجهت ضدها الجهود السياسية والعسكرية والإعلامية، ومع ذلك وقعت النكسة. أما اليوم، فلم تعد إسرائيل عدوة للدول العربية، على الأقل المجاورة لها، فضلا عن البعيدة عنها.

في ذكرى النكسة لا يتورع بعض العرب أن يعلن صداقته لإسرائيل، بل ويبرم معها الصفقات التجارية، ويجري التنسيق الأمني، ويتبادل المبعوثين السياسيين، حتى إن سفراء إسرائيل وقناصلها ومبعوثيها السريين والعلنيين، يحطون رحالهم، صباح مساء، في هذه العاصمة العربية أو تلك، من دون أن يشعر أي منها بالخجل، رغم أن العار يجللها.

خطورة ما تعيشه المنطقة العربية في ذكرى النكسة من تقارب حثيث مع إسرائيل، أنه يلغي عنها رويداً رويداً صفة دولة الاحتلال أو الكيان الاستعماري أو الغدة السرطانية، هذه المفردات التي سادت الخطاب الرسمي العربي عشية حصول النكسة الأولى، فكيف وقد تحولت إسرائيل اليوم إلى حليف شبه رسمي لبعض العرب، يقاتلون معها أبناء جلدتهم تحت مسمى الإرهاب، وينسقون معها أمنياً لوأد أي حراك ثوري ديمقراطي.

أخطر من ذلك، فإن بعض العرب لا يتورعون أن يهددوا الفلسطينيين بالمضي قدماً في مفاوضات منقوصة مع إسرائيل، كشرط أساسي "لشرعنة" الخطيئة التي يرتكبونها مع إسرائيل، بحيث يبدو الفلسطينيون كـ "المحلل" الذي يطلب منه إعطاء صفة قانونية شرعية لزواج حرام محرم، بين العرب والإسرائيليين.

الانقسام... ثالثة الأثافي

ربما لم يكن الفلسطينيون بحاجة إلى نكبة ونكسة جديدتين بمسمى لم يكن وارداً في مفرداتهم السياسية خلال عقود سابقة، وهو الانقسام، ولئن لم يكن الفلسطينيون موحَدين حزبياً وتاريخياً طوال تاريخهم الحديث والمعاصر، لكن الفصام النكد لم يتجل بأبشع صوره إلا خلال العقد الأخير منذ 2007.

أياً كانت الأسباب التي يسوقها الفلسطينيون لوقوع هذا الانقسام بين قطبي الساحة السياسية الفلسطينية، فتح وحماس، فإن الواقع السيئ الذي يعيشونه في الضفة الغربية وقطاع غزة لم يساور كوابيسهم الأشد حلكة وتشاؤما، كما لم يراود حكام إسرائيل في أكثر أحلامهم تفاؤلا وتخطيطاً.

الانقسام الذي يُحيي الفلسطينيون ذكراه العاشرة بعد أيام قليلة، أوجد حقائق سوداوية على الواقع الفلسطيني، القاتم أصلاً، فهو لم يعد انقساماً أفقياً بين الضفة الغربية وقطاع غزة، أو انقساما رأسيا بين حركتي فتح وحماس، بل بات انقساماً يضرب في كل الاتجاهات، حتى وصلت آثاره الكارثية إلى داخل البيت الواحد والعائلة الواحدة، بين الأب وأبنائه، والأخ وأخيه، والمرأة وزوجها، فأي مستقبل سياسي ينتظر قضيتنا الوطنية بعد هذه المستجدات الكارثية؟

الأمر الأكثر خطورة في السيرة الذاتية لهذا الانقسام أن صناع القرار الفلسطيني، على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، ربما ليسوا شاعرين، وهذه مصيبة بحد ذاتها، بما تركه هذا الحدث السياسي على تراجع قضيتهم الوطنية، وعدم اهتمام العالم بهم، وانشغال العرب عنهم.

أكثر من ذلك، فإن شقي الساحة الوطنية الفلسطينية، برنامج المفاوضات ومشروع المقاومة، لن يكتب لهما النجاح، مهما أوتي الأول من تحالفات إقليمية وإسناد دولي، وحصل الثاني على مقدرات عسكرية، طالما بقي هذا الانقسام قائما..

ولذلك، فإن ألف باء نجاح أي من المشروعين القائمين في الساحة الفلسطينية أن يتم طي صفحة هذا الانقسام، كخطوة أولى استباقية، قبل الحديث عن أي استراتيجيات وخطط سياسية، عدا ذلك فليبق كل منهما في مكانه، ولينتظر فلسطين نكبة جديدة ونكسة متجددة..

أخيراً؛ قد يكون تزامن هذه المناسبات الحزينة المؤلمة على الفلسطينيين في وقت متقارب، فرصة لا تتكرر كثيراً كي يراجع صناع القرار الفلسطيني برامجهم السياسية، وأجنداتهم الحزبية، ومشاريعهم الشخصية، للحيلولة دون وقوع المزيد من الكوارث على ما تبقى من القضية الوطنية، ولا أظنهم فاعلين.

(رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الأمة/غزة)

المساهمون