فلسطين بين البندقية والسياسة

09 اغسطس 2019
ينقسم الواقع الفلسطيني إلى اتجاهين فكريين في طريقة الدفاع عن القضية الفلسطينية، فما يسمى الانقسام الفلسطيني ليس صراعاً على السلطة أو الامتيازات والنفوذ، بقدر ما هو انقسام في منهجين متناقضين في التعاطي مع القضية الفلسطينية.
والغريب أن الاتجاه الأول الذي تتبناه حركة حماس، ومن معها من فصائل المقاومة، هو الذي كانت تتبناه منظمة التحرير وكبرى فصائلها (حركة فتح) منذ نشأتها، وحتى انقلابها عليه 1993 لصالح الاتجاه الثاني، وهو خيار التسوية بالطرق السلمية مع تقديم ما يلزم من تنازلات باهظة.
الاتجاه الذي تتبناه كل من حركة حماس، ومن معها من فصائل المقاومة، يقوم على تبني خيار الكفاح المسلح لتحرير كل شبر من فلسطين، مع إمكانية السير بالتوازي في الخيار السياسي لتحصيل الحقوق. ولكن بما لا يضرّ أو يمسّ بالاحتفاظ بالحق في المقاومة، ومن دون التنازل عن شبر من الوطن أو الاعتراف بكيان العدوّ. أما الاتجاه الذي تقوده منظمة التحرير وكبرى فصائلها حركة فتح اليوم، فهو خيار قائم على نبذ الكفاح المسلح لصالح الخيار السياسي، القائم على الاتفاقات الدولية والثنائية برعاية وضمانات دولية. وكان من ثمار هذا الاتجاه بداية اعتراف منظمة التحرير بقراري مجلس الأمن 242 و338، الأمر الذي قادها إلى مظلة المؤتمرات الدولية لتسوية الصراع، ليس الصراع الفلسطيني الصهيوني بل الصراع العربي الصهيوني، بدءاً من مدريد إلى أوسلو، وصولاً إلى وادي عربة، وما صاحبها من عمليات تطبيع وتعاون باتت علنية وفجّة. فإذا كانت الحرب إكمالاً للسياسة بأدوات أخرى، فإننا أمام ثلاث رؤى:
أولاً، الحرب وسيلة وليست هدفاً. فعلى مدار سبع سنوات ما بين عامي 2008 و2014 خاضت المقاومة في غزة ثلاث مواجهات دامية مع العدوّ، لا حباً في الحرب، وإنما دفاعاً عن حق فشلت السياسة في تحصيله. ثانياً، الحرب إكمال للسياسة، وليست تطوراً في السياسة أو دليلاً على فشلها. فعندما قبلت حركة حماس بعد تمنع كبير المشاركة في اللعبة السياسية، وخاضت الانتخابات البرلمانية 2006، لم يكن ذلك انعطافة في التفكير أو تغيراً في السلوك، بقدر ما كانت ممارسة لوسيلة أخرى وليست أخيرة إلى جانب خيار البندقية، لتعززها وتحميها وتحصّنها وتوسع شعبيتها لدى قطاعات عريضة من الشعب. ثالثاً، الحرب "أداة أخرى"، أي إنها ليست وسيلة أخيرة عند استنفاذ جميع الخيارات المتاحة، فالمواجهات المسلحة التي تخوضها المقاومة مع العدو ليست خياراً عدمياً، بقدر ما هي أداة أخرى عند انسداد أفق الخيارات الأخرى، وكأن البنادق هي ما يفتح مجالاً للخيارات لتأخذ دورها، ففي أعقاب كل مواجهة كانت تفتح بوابات الخيارات السياسية في صورة اتفاقات وتفاهمات، تضيق صلاحيتها بفعل تنكر العدوّ لها وصولاً إلى الجولة التالية.
فإذا كانت المقاومة كأداة أخرى أو إكمال للسياسة لا تختلف عن أي مبادرة سياسية أخرى، فلماذا لا تكون مواقفنا تجاه المقاومة حيادية من الناحية الأخلاقية طالما أنها تهدف إلى خدمة السياسة، فاذا كانت السياسة وسيلة مشروعة فإن المقاومة وسيلة مشروعة كذلك. وعليه لماذا لا يتكامل الاتجاهان؟
إذا كان خيار منظمة التحرير أثبت فشله بالكلية في ظل تنكر العدوّ لكافة الاتفاقات الموقعة، بعد أن ثبت لها أن العدوّ استخدمها كوسيلة أخرى لإتمام إحكام سيطرته على الأرض المحتلة، الأمر الذي ترجمته منظمة التحرير بوقف العمل بكل الاتفاقات مع العدوّ. وإذا كان خيار البندقية منفرداً جرّ على قطاع غزة حصاراً عدمياً دامياً، شنّ العدو خلاله عدواناً لثلاث مرات متتالية على مدار سبع سنوات من دون تحقيق أهداف سياسية مباشرة. إلا أن العدوان المستمر على غزة لتحطيم مقدرات المقاومة والشعب واستنزافهما على حد سواء، كان يهدف لتحقيق هدف غير مباشر، وهو تسهيل قبولهم بالتسويات السياسية الهزيلة التي بات يقودها اليوم الصهيوني، جاريد كوشنير.
فلماذا لا ينزل الطرفان عن شجرة العناد لصالح الاتفاق على التكامل، لا التنازع، لصالح تعزيز كل منهما لاتجاه الآخر بما يصبّ في النهاية في مصلحة الوطن، فالوطن للجميع ومصلحة الشعب فوق مصالح كل الأحزاب.
تعليق: