فلسطينيون في انتظار "الهدم" (1).. "السلطة" تخلّت عنا

فلسطينيون في انتظار "الهدم" (1).. "السلطة" تخلّت عنا

القدس المحتلة
فاتن أبوعيشة
الخليل
حمزة الخطاب
06 ديسمبر 2014
+ الخط -

"دوّى في آذاننا طنين متواصل "بوووم"، طرد الصوت النوم من عيوننا، قمنا مثل المجانين، على طول شردت على دار عمي، الصوت كان عالياً كأنه بجانبي، أمي تقول يلا بسرعة بسرعة هدوا دار الشلودي وبدهم يجوا يفجروا دارنا"، هكذا تروي شقيقة الشهيد معتز حجازي بعينين مذعورتين حال العائلة القاطنة في حي الثوري شرق القدس بعد تفجير منزل الشهيد عبد الرحمن الشلودي في بلدة سلون، جنوب المسجد الأقصى.

في انتظار الهدم، تعيش عائلة الشهيد حجازي، تترقب مصير عائلة الشلودي الآتي إلى بيتها كما عائلات باقي المقاومين للاحتلال. استعدت العائلة لمصيرها المحتوم بإخراج جزء من حاجياتها إلى بيوت الجيران والأقارب، فيما رتبت عدداً من الصناديق والأكياس وحقائب السفر في إحدى الغرف انتظاراً لساعة الصفر، التي بدأت بتسلم العائلة قراراً بهدم البيت خلال 48 ساعة.

بنت عائلة الشهيد معتز منزلها قبل احتلال مدينة القدس، آوى المنزل العائلة والأسير المحرر، الذي أفرج عنه قبل عامين، في البيت تسير شقيقته معنا، وتشير للتلفاز قائلة "هذا من المرحوم، من ريحته"، تنقل نظراتها وتقول: "هذه الخزائن وضعها حديثاً"، بضع خطوات أخرى وتقول :"هذا كله جديد"، تواصل حديثها باكية وهي تذكر ما فعله لغرفتها من دهان وتبديل أبواب، وبنظرات تملؤها الحسرة، قالت: "مش بس ضيعولنا أخوي، كمان يضيعوا كل شيء من ريحته، ما بكفي أغراضه كل شيء منه أخذوه!، يعني حقارة هذه، حقارة اليهود إرهاب".

تلتحف والدة الشهيد معتز غطاءً، متمددة على السرير تتمتم قائلة لـ"العربي الجديد": "البيت مش أغلى من الإنسان، الإنسان هو ببني البيت، وهو اللي بعيش بالبيت، في القدس أو في أي مكان تاني الإنسان صاحب الإرادة يعيش ويبدأ من الصفر".

أبت والدة معتز إلا أن تكون قوية وصلبة، معتبرة الهدم جريمة وحشية وانتهاكاً لحقوق الإنسان بعد حرمانها من فلذة كبدها، في ظل حرمان الاحتلال الإسرائيلي للمقدسيين من رخص البناء التي إذا توفرت، تكون باهظة التكاليف. تتابع أم الشهيد: "الإنسان في القدس من المرابطين، من ناحية دينية يجب أن نتمسك بالقدس ولا نتركها، هدم البيت لأي مقدسي ليس بسيطاً، يعني تشرداً، ضياع هويته وضياع وجوده".

حرارة الفقد

يتقاسمن السواد لباساً وبالكاد عيونهن تنظر إلينا، تكتحلن بخطوط حمراء استقرت على جفونهن، يجلسن في بيت العزاء كما أشارت لوحة خارجية في حي جبل المكبر جنوب القدس، رغم توزيع الشوكولاتة، تجلس والدة الشهيد عدي ووالدة وزوجة الشهيد غسان أبو جمل، والحزن مطل من أعينهن الصابرة والمملوءة بالتحدي، ابنة الثلاثين تساوت مع ذات الخمسين والستين عاماً في الاحتمال، بعد ساعات من اعتقالهن في مركز تحقيق "المسكوبية" شرق القدس إثر استشهاد عدي وغسان بعد عملية قاما بها في كنيس يهودي أدت إلى مقتل خمسة مستوطنين.

ساعات اعتقال باردة لم تخل من إهانات وضرب للأبناء، خاصة شقيق الشهيد غسان، "منذر" الذي أفرج عنه بعد ضرب استمر ساعتين وفتح بطنه وتورم عينه، ليصل به الحال إلى المستشفى كما أوضحت والدته لـ"العربي الجديد".

تمر مشاهد ما آل إليه بيت الشهيد عدي لتقول الوالدة: "دمروا الدار علينا قلبوها قلب"، تستذكر الهم الأكبر لها بفقدها فلذة كبدها وتهمس: "راح الغالي وبدور على الدار.. والله راح الغالي".
يختلط الحديث بين حال البيت وخوف على الأبناء في كلام والدة الشهيد عدي التي تتابع: "نبشوا الدار وكسروا الزجاج والخزائن والطناجر، كله نزل على الأرض دمروه وضربونا غاز، أخوه بقوا بدهم يدبوا عن ظهر الدار".

تشارك أم غسان في الحديث قائلة: غسان له ثلاثة من الأبناء، الهدم وراهم أيضاً، احنا بقيناش نعرف عن ولادنا شو بدهم يسووا والخبر أتى فجأة، سواء هدموا البيت أو ما هدموه، صاحب البيت راح"، تعود مرة ثانية لتقول: "نتأمل ما يهدموا البيت، عنده ثلاثة أولاد، وين بدهم يروحوا؟!".

وفي الوقت الذي اتصلت المهنئات بوالدتي الشهيد غسان وعدي، أدانت القيادة الفلسطينية عمليتهما، تتساءل والدة الشهيد غسان بتحدّ وإصرار: "أني قيادة؟ لا نعترف بها، احنا لا نعترف في القيادة بالمرة، قيادة متل هذه لا نريدها!!".

قاطعتها زوجة الشهيد غسان قائلة بغلّ ملأ تقاسيم وجهها: "بدو القدس وبدو العاصمة! ويأخذ مصاري من وراء الشعب، ويبقي الشعب يخرج يتقاتل وهو ماذا يفعل!!"، صمتن، وفي لحظة واحدة، قلن "ولادنا بيرفعوا الرأس".

قلق بين الإخلاء والبقاء

حالة من البلبلة تعيشها عائلة الشهيد إبراهيم العكاري منذ يوم الاستشهاد، بلغت ذروتها بسماع خبر هدم بيت عائلة الشلودي وفقاً للزوجة، والتي تفكر صباح مساء في قرب هدم منزلهم الذي يؤوي أبناءها الخمسة رغم عدم تسلّمهم قرار الهدم، تقول زوجة الشهيد لـ"العربي الجديد": "ما استلمنا قرار هدم، حتى أصبحنا نشك في حالنا، وكل واحد يسأل التاني عن ورقة الهدم، دون علمنا".

تجلس الزوجة على الأريكة وحولها عدد من أفراد العائلة، في حيرة من أمرهم لإخلاء بيتهم، خشية هدم مباغت رغم تأكيد المحامي بضرورة صدور قرار الهدم، تقول زوجة الشهيد العكاري: "لا نعرف، هل نخرج الأغراض أو لا، ممكن يتأخروا شهر، أين أذهب أنا وأولادي، نجلس على البلاط حتى يأتوا! فش محل تاني". موضحة أن بيتها كان غرفتين فقط، وقبل أربع سنوات فقط قاموا بتوسعته، تلقي بنظرها على البيت والأثاث وتقول: "اشتغل زوجي لحكى بكفي، وأنفق كل ما يملك وعمّر وأثث، ليس بالسهل تم بناؤه، لم نفرح فيه بعد".

نظراتها الحيرى تتساءل عن مكان لأثاث بيتها الجديد، مع أطفالها الخمسة، أكبرهم تمارا، 13 عاماً، التي قالت عن هدم بيتهم: "راح أزعل بس مش قد ما زعلنا على أبوي".
الحال ذاته تعيشه عائلة الشهيد محمد جعابيص، الذي استشهد في أوائل شهر آب من هذا العام إثر اصطدام جرافته بحافلة إسرائيلية، الأمر الذي أدى إلى مقتل مستوطن وجرح آخرين، لكن العائلة ما تزال تنتظر رداً من المحكمة العليا الإسرائيلية على استئناف قرار هدم منزلهم، بعد رفعهم قضية بأن الأمر مجرد حادث.

الهشلمون في الانتظار

بات الانتظار حبيس بيت عائلة الشاب ماهر حمدي الهشلمون، الذي تعرض لإصابه خطيرة في العاشر من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري بعد قيامه بطعن مستوطنين على مفرق غوش عتصيون جنوب الضفة الغربية، نقل على اثرها الى مستشفى سوروكا في بئر السبع.
عائلة ماهر تنتظر الاطمئنان على حياة ابنها، ومن جانب آخر تنتظر تنفيذ الاحتلال لتهديداته بهدم منزل الاسير المصاب.

يقول الستيني حمدي الهشلمون والد ماهر "حتى اللحظة لا تتوفر لدينا معلومات عن اصابة ماهر، جميع المعلومات غامضة، حتى المحامي يمنع من رؤيته، لا تتوفر معلومات قطعياً عنه، نسمع من وسائل الاعلام إن حالته خطرة وحرجة".

قوات الاحتلال كانت قد دهمت منزل ماهر في ضاحية الزيتون بمدينة الخليل واعتقلت شقيق زوجته، ودهمت منزل والده واعتقلت شقيقه محمد طبيب الاسنان، ليسارع بعدها آل الهشلمون لإفراغ المنزل من محتوياته. يبين والد ماهر أن ابناهء، عدا ماهر الاسير المصاب ومحمد المحتجز لدى الاحتلال، متواجدون خارج الوطن.

يقع منزل ماهر في الدور الرابع بالعمارة التي يسكن بها، مساحته مئة وثلاثون متراً تقريباً، يتكون من غرفتي نوم وصالون وصالة، ومنافع المنزل، قوات الاحتلال دهمت المنزل أكثر من ثلاث مرات، وفي كل مرة تقوم بتصويره وعمل حسابات لمساحته. يقول والد ماهر" في ذات الليلة التي توعد فيها رئيس الوزراء نتنياهو بهدم المنزل تم إفراغه من محتوياته، جميع مقتنيات المنزل رحلت، وتم توزيعها على منازل الجيران والأهل لعدم وجود مكان لوضعها فيه، وضعت بمستودعات مهجورة، ساعدنا الجيران بنقلها، عندما ذهبت لإفراغ المنزل وجدت مجموعة كبيرة من المتطوعين الذين لا أعرفهم وساعدونا بنقلها".

زوجة ماهر وطفلاه: عبيدة الذي يبلغ من العمر سبع سنوات ونصف سنة، ومريم ابنة الاربع سنوات، تشتتوا تارة عند جدهم والد ماهر، وتارة أخرى عند جدهم والد أمهم.
أما أم نافز الهشلمون والدة ماهر، فذكرت لـ"العربي الجديد" أنهم بصدد تأمين منزل لزوجة ابنها وأطفاله، وبينت أن المنزل لم يملكه ماهر بعد بشكل نهائي، إذ إنه ما زال يترتب على ماهر دفعات نقدية لصاحب العمارة.

تقول أم ماهر "تفجير المنزل سيترك دماراً وخراباً في باقي شقق العمارة لأن الطوابق الارضية بناء قديم، مر عليها ما يزيد على الثلاثين عاماً، وباقي الطبقات لم تُبن دفعة واحدة، وتسليحها وبناؤها لا يخلو من العيوب، وحتى اذا تقرر وضع الباطون فان ذلك سيشكل ثقلاً على المبنى، وسيؤدي الى تعريضه للخطر".
أم ماهر لا تتوقف في حديثها معنا عن حمد الله على حالها بين كل جملة وأخرى، فيما وجهت نداء لمن يمتلك معلومة عن ابنها المصاب بأن يطمئن قلبها المكلوم.

لا مساعدة رسمية

تنفي العائلات المقدسية المهددة بالهدم أو التي نفذ القرار الإسرائيلي بحقها فعلا، حصولها على أي مساعدة من الجهات الرسمية، فالهدم والإخلاء يقع على عاتق عائلات المقاومين وحدهم كأنه عقوبة على إصرارهم الدفاع عن بلادهم.

دلالات